الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٥٨قوله: « لها ما وَلغَت في بطونها»: أي: لها ما شرِبَته وصار في بطونها، ولكم ما غَبَر (بمعجمة ثم موحّدة)، أي: ما بقِي في الحياض، يعني أنّه لابأس به، فاشربوا واستعمِلوا، وهذا الحكم مُطلق في ماء الفَلاة، لأنّ وَرْد السباع غير مُتحقَّق بل مظنون فقط، وحُكم الماء الطهارة فلا ينجُس بالشكّ، وإن تغيَّر بعض أوصافه بالنجس تنجّس، لحديث ابن عباس المتقدّم أول الباب، ويدلّ على ما ذكرْتُ، ما أخرجه الدارقطني وغيره، عن ابن عمر قال: خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في بعض أسفاره فسار ليْلاً فمَرّوا على رجل جالس عند مِقْرَاة له، وهي الحوض الذي يجتمع فيه الماء، فقال عمر: أوْلَغت السباع عليك الليلة في مِقْراتك فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: "يا صاحب المِقْراة لا تُخبره، هذا مُتكلَّف، لها ما حملت في بطونها ولكم ما بَقِي شراب وطهور" <1/217>ففي هذا الحديث إشارة إلى أنّ العفو عنها إنما كان لعدم العلم بنجاستها؛ دفعاً للمشقّة، وبذلك سَقَط استدلال بعضهم بحديث الباب على طهارة سؤر السباع، وقيّده بعضهم بما فوق القلّتين لحديث عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو يُسأَل عن الماء يكون بالفَلاَة من الأرض وما يَنُوبه من السباع والدوابّ فقال: "إذا كان الماء قلّتين لم يحمل الخبث"، قال المحشّي: ويرشد إلى هذا القيد أيضاً لفظ الحياض، ومعناه: أنّها تَجْمَع من الماء فوق القلتين والله أعلم. قلت: الحديث قد تكُلِّم في معناه، وقَدْر القلّتين غير مُنضبط، ولفظ الحِياض غير مُعتبَر في معنى الجواب والله أعلم.
ما جاء في سؤر الهرّة