الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٣٠واختلف العلماء في الجهة التي كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يتوجّه إليها للصلاة وهو بمكّة، فقال ابن عبَّاس وغيره: كان يصلّي إلى بيت المقدس، لكنّه لا يستدبر الكعبة بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس، وأطلق الآخرون أنّه كان يصلّي إلى بيت المقدس، وقال آخرون: كان يصلّي إلى الكعبة، فلمّا تحوّل إلى المدينة استقبل بيت المقدس، وضُعِّف هذا القول؛ لأنّه يلزم منه دعوى النسخ مرّتين، والواجب أنّ تكرار النسخ لا يوجب ضعفاً، ولها في الشريعة نظير، وهي متعة النساء، فإنّها أبيحت في صدر الإسلام، ثمَّ حرّمت يوم خيبر، ثمَّ أبيحت في غزوة أوطاس، ثمَّ حرّمت بعد ذلك، فاستقرّ الأمر على التحريم، فكذلك مسألة القبلة، فإنّ النسخ طرأ عليها مرتين، واستقرّ الأمر على استقبال الكعبة، وحديث المصنِّف يدلّ على تكرار النسخ، وهو من طريق ابن عبَّاس، فيجب أن يحمل المنقول عنه على الحال الذي كان بعد الإسراء دون ما قبله من الزمان، ثمَّ إنَّ تكرر نسخها المستفادَ من حديث المصنِّف يخالف التكرار الذي ذكره أرباب القول الثالث، <1/272> فإنّ الحديث يدلّ على أنّه صلّى الله عليه وسلّم كان يستقبل الكعبة إلى أن عرج به، ثمَّ استقبل بيت المقدس إلى أن نسخت بعد الهجرة بسبعة عشر شهراً، فالمستفاد من الحديث قول رابع، وبه أقول لصحّة الحديث، والعلم عند الله.
قوله: «ثمَّ تحوّل إلى قبلته»: أي التي كان عليها قبل المعراج، وهي الكعبة، وهذا التحوّل إنَّما كان بعد الهجرة بسبعة عشر شهراً، كما يدلّ عليه صدر الحديث.
ما جاء في حكم الوتر