شرح الجامع الصحيح [نسخة جمعية التراث، كاملة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٨١

قوله: «الصلاة جائزة خلف كلِّ بارٍّ وفاجر» البار: هو من أصلح ما بينه وبين ربِّه. والفاجر: بخلافه، وهو من فعل الفجور. والحديث مصرح بجواز الصلاة خلف الفاجر، وله شواهد كثيرة، ومنها ما رواه المصنِّف آخر الباب عن عبادة بن الصامت في الأمراء الذين يؤخِّرون الصلاة عن وقتها، قال رجل: "يا رسول الله إن أدركتهم أصلِّي معهم؟ قال: نعم إن شئت"، ومنها عن مكحول عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الجهاد واجب عليكم مع كلِّ أمير برًّا كان أو فاجرا، والصلاة واجبة عليكم خلف كلِّ مسلم برًّا كان أو فاجرا، وإن عمل الكبائر" رواه أبو داود والدار قطني بمعناه، وقال مكحول: لم يلق أبا هريرة. وعن عبد الكريم البكَّاء قال: "أدركت عشرة من أصحاب النبيء صلى الله عليه وسلم كلُّهم يصلِّي خلف أئمَّة الجور" رواه البخاري في تاريخه؛ فهذا كلُّه مصرِّح بالجواز؛ فيحمل قوله صلى الله عليه وسلم: "يؤمُّ القوم أقرأهم لكتاب الله" ونحوه على بيان الكمال في الفضل، والمعنى إن أمكن ذلك فليؤمّهم أقرأهم… الخ؛ وإن لم يمكن، وتولَّى الأمر غيرهم من أهل الفجور فالصلاة خلفه جائزة. وقد اختلفت الأمَّة في الصلاة خلف الفاجر، والخلاف في المذهب أيضا موجود، ومرجعه إلى ثلاثة أقوال: فأجازها قوم على الإطلاق، عملا بحديث الباب. وردَّها قوم على الإطلاق لحديث جابر عن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: "لا تؤمَّنَّ امرأة رجلا، ولا أعرابيٌّ مهاجرا، ولا يؤمنَّ فاجر مؤمنا إلا أن يقهره بسلطان يخاف سيفه أو سوطه" رواه ابن ماجة، وفي إسناده عبد الله التميمي، قال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن حبان لا يجوز الاحتجاج <1/311> به، وقال وكيع: يضع الحديث. وقد جاء عن علي مرفوعا: "لا يؤمَّنَّكم ذو جرأة في دينه"، وفي هذا النقل ما فيه. والقول الثالث: التفرقة بين الفاسق المتأوَّل وغيره؛ فأجازوها خلف المتأوَّل دون المنتهك ما لم يُدخل فيها ما يفسدها.

٣٨١ / ١٬٤٧٩