الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٨٣قوله: «يؤمُّ القوم أقرأهم لكتاب الله» الخ الحديث، رواه أيضا أحمد ومسلم عن أبي مسعود عقبة بن عمرو، وزاد في آخره: "ولا يؤمنَّ الرجلُ الرجلَ في أهله ولا سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه"، وفي لفظ: "لا يؤمنَّ الرجلُ الرجلَ في أهله ولا سلطانه" <1/312> ورواه سعيد بن منصور لكن قال فيه: "لا يؤمُّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه إلاَّ بإذنه، ولا يقعد على تكرمته في بيته إلاَّ بإذنه"، ومعنى قوله: "يؤمُّ القوم أقرأُهم" أي: يتقدَّمهم في الصلاة أحسنهم قراءة، وإن كان أقلّهم حفظا. وقيل: المراد أكثرهم حفظا للقرآن، واستُدلَّ على ذلك بما رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح. عن عمرو بن سلمة أنه قال: انطلقت مع أبي إلى النبيء صلى الله عليه وسلم بإسلام قومه، فكان في ما أوصاني: "لَيُؤمَّنَّكم أكثركم قرآنا"، فكنت أكثرهم قرآنا فقدَّموني، وأخرجه أيضا البخاري وأبو داود والنسائي. وفي تقديم الأقرأ على الأعلم بالسنة دليل على أن الأقرأ مقدَّم على الأفقه، وبه قال الأحنف بن قيس وابن سيرين والثوري وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل، وقال مالك والشافعي وأصحابهما: الأفقه مقدَّم على الأقرأ، والخلاف أيضا في المذهب، قال الشافعي: المخاطب بذلك الذين كانوا في عصره كان أقرأهم أفقههم؛ فإنَّهم كانوا يُسلِمون كبارا، ويتفقَّهون قبل أن يقرءوا، فلا يوجد قارئ منهم إلا وهو فقيه، وقد يوجد الفقيه وهو ليس بقارئ؛ وتُعقِّب بأنَّ قوله في الحديث، فإنَّ كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة يدلُّ على تقديم الأقرأ مطلقا.
قوله: «فإنَّ كانوا في القراءة سواء» أي: فإنَّ استووا في القدر المعتبر منها، أمَّا في حسنها أو في كثرتها وقلتها على القولين.
قوله: «فأعلمهم بالسنَّة» إنَّما خصَّ السنَّة بالذكر لأنَّها المبيِّنة لأحكام الكتاب، ومنها أُخذ غالب الأحكام لاسيما أحكام الصلاة، وفيه أن مزيَّة العلم على غيرها من المزايا الدينية.