شرح الجامع الصحيح [نسخة جمعية التراث، كاملة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٤٤١

وقوله: «فليقاتله» أي يزيد في دفعه، الثاني أشدُّ من الأوَّل. قال القاضي عياض والقرطبي: وأجمعوا على أنه لا يلزم أن يقاتله بالسلاح لمخالفة ذلك لقاعدة الإقبال على الصلاة، والإشتغال بها. وأطلق جماعة من الشافعية أنَّ له أن يقاتله حقيقة، واستعبد ذلك ابن العربي، وقال: المراد بالمقاتلة المدافعة. وقد روى الإسماعيلي بلفظ: "فإن أبى فليجعل يده في صدره وليدفعه"، وهو <1/359> صريح في الدفع باليد وكذلك فعل أبو سعيد بالغلام الذي أراد أن يجتاز بين يديه. قال القاضي عياض: "فإن دفعه بما يجوز فهلك فلا قَوَد عليه باتِّفاق العلماء". قال: وهل تجب ديَّة أم يكون هدرا؟ مذهبان للعلماء، وهما قولان في مذهب مالك، وحكى القاضي عياض وابن بطال الإجماع على أنَّه لا يجوز له المشي من مكانه ليدفعه ولا للعمل الكثير في مدافعته، لأن ذلك أشدّ في الصلاة من المرور.

قوله: «فإنما هو شيطان» أي من شياطين الإنس، فهو على حدِّ قوله تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الاِنسِ وَالْجِنِّ﴾ [سورة الأنعام: 112] وسبب إطلاقه عليه أنه فَعَل فِعل الشيطان. وقيل معناه: إنما حمله على مروره وامتناعه من الرجوع الشيطانُ. وقيل المراد بالشيطان: القرين، لحديث ابن عمر عند أحمد ومسلم وابن ماجة، ولفظه: "فإنَّ معه القرين"، والمراد بالقرين الشيطان المقرون بالإنسان لا يفارقه، وهو المعنى بقوله تعالى: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ﴾ [سورة ق: 27]، واستنبط بعضهم من قوله: «فإنما هو شيطان» أنَّ المراد بالمقاتلة المدافعة اللطيفة، لا حقيقة القتال؛ لأن مقاتلة الشيطان إنَّما هي بالاستعاذة والتستر عنه بالتسمية ونحوها. والحكمة في المقاتلة دفع الخلل المخُوف وقوعه في صلاة المصلي. وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود: أنَّ المرور بين يدي المصلي يقطع نصف صلاته. وروى أبو نعيم عن عمر: "لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه ما صلَّى إلاَّ إلى شيء يستره من الناس".

٤٤١ / ١٬٤٧٩