شرح الجامع الصحيح [نسخة جمعية التراث، كاملة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثاني

الجزء ٣ · صفحة ٥٣

فإن قيل:لِمَ كان خلُوفه أطيب ودم الشهيد ريحه ريح المسك مع ما فيه من المخاطر وبذل الروح؟ أُجيبَ بأنَّ الصوم أحدُ أركان الإسلام، فهو أعظمُ من الجهاد أو نظرًا إلى أصلِ كلٍّ منهما فأصل الخلوف طاهر بخلاف الدم، فكان ما أصلُه طاهرٌ أطيب ريحا، وبأنَّ الجهاد فرضُ كفاية <2/47> والصومُ فرضُ عينٍ وهو أفضل من الكفاية، ومن هنا كانت النفقةُ على العيال أفضلُ من النفقة على الجهاد، كما جاء ذلك مرفوعًا في حديث عند أحمد. واستدلَّ بعضُهم بالحديث على كراهة السواك للصائم آخر النهار لئلاَّ يزول خلُوفه. وهذا الاستدلال مستقيمٌ عند من جعل فضل الخلُوف في الدارين، ولا يستقيم عند من خصَّه بالآخرة.

قولُه: «فارَقَ عبدي»؛ أي ترَك ذلك. وفي رواية مالك: ”إنَّما يذرُ شهوتَه وطعامه وشرابه من أجلي“، والمرادُ بالشهوة الجماعُ لعطف الطعام عليه. ولابن خزيمة ”زوجتَه“ مكان شهوته، ويحتمل أن تُجعل الشهوة عامَّة وعُطِف ما بعدها عليها عطفَ خاصٍّ على عام.

قولُه: «من أجلي»؛ أي من أجل امتثال شرعي الذي شرعتُه عليه، وفيه التنبيه على الجهة التي يستحقُّ بها الصائم ذلك وهو الإخلاص الخاصُّ به حتَّى لو صام لغرضٍ آخر كأخذ أجرةٍ دنيوية، أو لأجل أن تخلُو معدته من أثر التُّخمة لا يحصل له ذلك الفضل.

٦١٣ / ١٬٤٧٩