الجزء الثاني
الجزء ٣ · صفحة ٥٥قوله: «وأنا أجازي <2/48> به» أي أعرض عنه الجزاء الذي أدَّخرته للصائمين. وفي رواية قومِنا: ”وأنا أجزي به“، وزاد مالكٌ وغيرُه: ”كلُّ حسنةٍ بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعفٍ إِلاَّ الصيام فهو لي وأنا أجزي به“. والمعنى أنَّ جزاءَ الصيام ليس له غايةٌ ينتهي إليها كسائر الأعمال، بل جزاؤه بغير عدد، ونظيرة قوله تعالى: ﴿اِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:10]، والصابرون الصائمون في أكثر الأقوال لأنَّهم يصبرون أنفسهم عن الشهوات. ومعنى قولِه: ”وأنا أجازي به“ أي أنفرد بعلمِ مقدارِ ثوابهِ وتضعيفِ حسناتِه، وغيره من العبادات قد يطَّلع عليها بعض الناس. وقيل: معناه أنَّ الأعمال قد كشف مقادير ثوابها للناس وأنَّها تُضاعَف من عشرٍ إلى سبعمائة إلى ما شاء الله إِلاَّ الصومَ فإنَّ الله يُثِيبُ عليه بغير تقدير، والله أعلم.
ما جاء في بيان الصائم المستحقِّ لفضيلة الصوم
قولُه: «لا إيمانَ لمن لا صلاة له»؛ الحديث تقدَّم ذكرُه في آداب الوضوءِ وفرضه. وتمامُه ”ولا صلاة لمن لا وضوء له ولا صوم إِلاَّ بالكفِّ عن محارم الله“؛ والغرض منه في هذا الموضع قولُه: ”ولا صوم إِلاَّ بالكفِّ عن محارم الله“ فإنَّهم اتَّفقوا على أنَّ المراد بالصائم المستحقِّ للفضيلة المذكورة في الحديث قبلَه من سلم صيامه من المعاصي قولاً وفعلاً، وخصَّه بعض الزهَّاد بصوم خواصِّ الخواصِّ؛ فإنَّه قد قيل إنَّ الصوم أربعة أنواعٍ: صيامُ العوامِّ؛ وهو الصومُ عن المفطِّرات، وصيام خواصِّ العوام؛ وهو الصوم عن المفطِّرات مع اجتناب المحرَّمات قولاً وفعلاً، وصيام الخواص؛ وهو الصومُ عن غير ذكر الله وعبادته، وصيام خواصِّ الخواص؛ وهو الصومُ عن غير الله فلا فِطرَ لهم إلى يوم لقائِه، وهذا مقامٌ عالٍ، لكن لا يصحُّ قصر الفضائل عليه، والله أعلم.
<2/49> ما جاء أن الصوم جُنَّة ونهي الصائم عن الرَّفَث والمشاتمة