الجزء الثاني
الجزء ٣ · صفحة ١٤٤وقد رجح جماعة من متأخري قومنا واستقواه ابن حجر أنَّ ما يعمُّ وقوعه في الماء كالذباب والبعوض لا ينجِسُ الماء، وما لا يعمُّ كالعقرب ينجس، وهذا منهم بناءٌ على أنَّ العلَّة عموم البلوى، ونحن لا نسلِّم ذلك، بل نقول أنَّ العلَّة خلُوُّه من الدم السائل، والله أعلم.
ما جاء في الشرب من الماء الذي شربت منه الهرة
قوله: «في ماء مسته الهرة»: أي أصابته بفمها، لتشرب منه، والحديث تقدَّم شرحه في أحكام المياه، ورواه جابر هناك بلاغا عن كبيشة بنت كعب، وصبِّها الماء لأبي قتادة إلى آخر القصَّة، <2/118> والغرض من ذكره هنا جواز الشرب من الماء الذي تمسه الهرة لأنَّه ليس بنجس، وإذا لم يكن نجسا فلا يحرم الشرب منه، والله أعلم.
ما جاء في النهي عن التنفس في الإناء
قوله: «بلغني أنَّ أبا سعيد» إلخ: الحديث رواه عن أبي سعيد أيضًا أحمد والترميذي وصحَّحه لكنَّه عندهما في النهي عن النفخ في الشراب، وهو عند المصنِّف عن التنفس في الشراب، والمعنى متقارب، وقد روى الخمسة إِلاَّ النسائي وصححه الترميذي عن ابن عبَّاس: ”أنَّ النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم نهى أن يتنفس في الإناء وينفخ فيه“، وفي الباب عن أبي قتادة عند الشيخين وأحمد والحكمة في النهي عن ذلك لأنَّه ربَّما يخرج من المتنفس ريق فيعلق بالماء فيستقدره من يشرب بعده، وربَّما حصل للشراب تغيِّر من النفس، إمَّا لكون المتنفس كان متغيِّر الفم بمأكول مثلاً أو لبعد عهده بالسواك والمضمضة، أو لأنَّ النفس يخرج ببخار المعدة، والنفخ في هذه الأحوال كلّها أشدُّ من التنفس.
قوله: «في الشراب»: يتناول كلَّ مشروب من ماء وغيره، ومثله النفخ في الطعام كما سيأتي عن أبي عبيدة، وكذلك لا يتجشأ فيه ولا يتعطس فإنَّ عناه شيء فليُنَحِّ وجهه جانبا.