قاعدة الاحتياط وتطبيقاتها عند ابن بركة من خلال كتابه الجامع إدريس بن بابه بن عمر باحامد أبو وفاء

قاعدة الاحتياط وتطبيقاتها عند ابن بركة لباحامد إدريس - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٨٨

جمعوا من ذلك سوادا، وأججوا نارا فأنضجوا ما فيها"(1). ووجه الاستدلال من هذين الحديثين الأخيرين هو: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - نهانا عن صغائر الذنوب ومحقراتها لأنها تؤدي إلى الكبائر، فلزم التنبيه على ذلك حتى يحتاط الإنسان ولا يدع الشيطان يهوِّنُ عليه الصغائر على اختلافها، فيقع بعد ذلك فيما لا تحمد عقباه وهي الكبائر إن لم يتب عنها؛ يقول الإمام الغزالي: " صغائر الذنوب يجر بعضها إلى بعض حتى تفوت أهل السعادة بهدم أصل الإيمان عند الخاتمة"(2)، فالاحتياط إذن: يقتضي أن يتجنب المرء صغائر الذنوب، لأن الذنوب وإن صغرت فهي محرمة على كل حال، مهما اختلفت درجة تحريمها، والصورة التمثيلية في الحديث الثاني كانت على غاية من الروعة في البيان، فحال من يستهزئ بصغائر الذنوب إلى أن يصل إلى الكبائر، كحال تلك الجماعة المتفرقة الجامعة للحطب فإنه وإن قل ما يحضره كل واحد منهم على انفراد فإنه يوفِّي بالغرض ألا وهو الطبخ، حين لَمِّ ما جمعوه جميعا.

ج- من عمل الصحابة:

سيقتصر الباحث على ذكر نموذج واحد وهذا لأن الأدلة السابقة من كتاب الله تعالى ومن سنة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - تدل دلالة واضحة على ذلك ولكن هذا من باب التأكيد فقط، فمن المعلوم أنه قد ورد من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ما يدل على أنهم عملوا بالاحتياط وأخذوا به في مسائل عديدة منها:

(1) - المناوي، فيض القدير، ج3، ص 128.

(2) - إلياس بلكا، الاحتياط، ص 396.

٨٨ / ١٥٦