فتح المغيث في علوم الحديث امحمد بن سليمان بن بكير مطهري المليكي

فتح المغيث لمحمد المطهري - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٦٧

أَوَّلاً: مفهوم الموافقة: وهو ما يكون مدلول اللفظ في محلِّ السكوت موافِقًا لمدلوله في محلِّ النطق، وهو نوعان: مفهوم بالأولى ومفهوم بالمساواة. ومن أمثلة النوع الأَوَّل وهو المفهوم بالأولى قوله i: « إِنَّ أبرَّ البَرِّ صِلة الولد أهل وُدِّ أبيه»(1)، فإذا كانت الصلة والإحسان والإكرام لأصحاب الأب الذي كان يحِبُّهم من أبرِّ البرِّ وأطيبه، فالإحسان والإكرام والطاعة والمحبَّة بالأب نفسه هي من باب أحرى وأولى، وهذا هو المفهوم بالأَوَّليَّة. ومن أمثلته في وُجوب الطاعة والحبِّ أيضًا، وذمِّ العصيان، قوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا﴾ [الإسراء 23] فإذا كان التأفُّف من خطاب الوالد منهيٌّ عنه فمن باب أولى إيجاب الإحسان والطاعة لهما.

ومن أمثلة النوع الثاني وهو المفهوم بالمساواة قوله i: « بينما رجل مِمَّن كان قبلكم خرج في بُردين أخضرين يختال فيهما، أمر الله عَزَّ وَجَلَّ الأرض فأخذته فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة»(2)، فالحديث ذكر رجلا يختال في بُردين أخضرين، فلو اختال في بُردين أخضرين أو أبيضين، أو اختال في عَباءة مبتَذَلة فالحُكم سواء، لأَنَّ الحِرمة تَتَعَلَّقُ بالكِبْر لا

(1) - … رواه مسلم في كِتَاب البرِّ والصلة (4) باب فضل صلة أصدقاء الأب والأمِّ ونحوهما، رقم 11 (2552). والترمذي في كِتَاب البرِّ والصلة (5) باب ما جاء في إكرام صديق الوالد، رقم 1903، من حديث ابن عمر.

(2) - … رواه المنذري في كِتَاب الترغيب والترهيب باب الترغيب في التواضع، ج3، ص568، رقم 32. وأبو نُعيم في الحلية، ج8، ص389، مع اختلاف في اللفظ، من حديث أبي هريرة.

٣٨٧ / ٤٦٧