في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
الجزء ١ · صفحة ١١٩الخطاب - رضي الله عنه -، رغم أنَّ جابرا ولد في خلافة عمر، إلاَّ أنَّه في أواخرها، ما بين السنة 19 و21 للهجرة، فهو إذن في السنتين من عمره، عندما تُوُفِّيَ عمر بن الخطاب، فلا يمكن أن يروي عنه، ولذلك قال: «بَلَغَنِي»، أي بلغه من أحد الصحابة باعتباره من كبار التابعين، بمعنى شخص أو حلقة واحدة بين جابر وعمر بن الخطَّاب.
بلغ جابرًا أنَّ عمر سمع صحابيًّا اسمه هشام بن حكيم يقرأ من سورة الفرقان، إمَّا كاملة أو بعضا منها، ولكنَّ عمر سمعه يقرأها على غير قراءته باختلاف يسير، إمَّا في صيغة الحرف الذي يقرأ به أو في بعض الكلمات، بإبدال حرف مكان حرف آخر.
غير أنَّه كلام الله، ولا يرضى أن يبدَّل فيه ولو حرف واحد، فكانت غيرة عمر على كتاب الله شديدة، فبمجرَّد ملاحظته اختلافًا بين قراءته وقراءة هشام، دخل إليه ولبَّبه بردائه، أي: جمع رداءه بيده وساقه إلى النبيِّ J ، ومن حرصه - رضي الله عنه - أنَّه اقتاده ولم يَدْعُهُ إلى السير معه خوفًا من تفلُّته منه، لاسيما وأنَّ الأمر يخصُّ القرآن الكريم.
فلما وصل إلى النبيِّ J أطلقه وقال للرسول J : « يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا» فأمر الرسول J هشاما أن يقرأ سورة الفرقان حتَّى يستبين الأمرَ، أهو من الخطأ أم من باب القراءات؟ فقرأ هشام كما قرأ عند عمر - رضي الله عنه -، وعدم إنكار عمر أيِّ آية مِمَّا قرأ دليل على صدق هشام في قراءته كما حفظها أوَّل مرَّة، وعند إتمامه قال له الرسول J : « هَكَذَا أُنْزِلَتْ»، فتعجَّب عمر - رضي الله عنه - من ذلك لأنَّه موقن من حفظه كما لقَّنه إِيَّاهُ الرسول J ، إلاَّ أنَّه J لم يتركه في حيرته، بل أمره هو الآخر بالقراءة، فقرأ عمر كما