في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
الجزء ١ · صفحة ١٢٠حفظ، فقال له النبيُّ J : « هَكَذَا أُنْزِلَتْ» أيضا فزال شيء من حيرته، إلاَّ أنَّه بقي متعجِّبا من قول الرسول J لهما: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ» رغم اختلافهما في القراءة، ثُمَّ قال لهما: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ» أي: إِنَّ القرآن الذي أنزل عليه J أنزل على سبعة أحرف.
والمقصود بسبعة أحرف كما قال العلماء: على سبع قراءات، وَكُلُّ قراءة يُقرأ بها تشفي وتكفي للتقرُّب إلى الله، وتكفي أيضا للذكرى والموعظة، لأنَّ اختلاف الحروف أو القراءات لا يغيِّر في المعنى، لأنَّ مقصودها واحد رغم اختلافها في الصيغة، وتكفي في أخذ الأحكام لمعرفة الحلال والحرام وغيرهما، وتكفي أيضا في الصلوات، إذ تَصِحُّ صلاة المسلم بأيِّ آية قرأ بها ومن أيِّ قراءة.
وكما روي أيضا: أنَّ الرسول J قرأ عليه جبريل - عليه السلام - بقراءة، فاستزاده، فقرأ عليه بقراءة ثانية، فاستزاده، فقرأ عليه بقراءة ثالثة، حتَّى بلغ القراءة السابعة، فبذلك قرأ عليه جبريل القراءات السبع كُلَّهَا؛ لأنَّ جبريل لم يكن يقتصر على إنزال الوحي مَرَّة واحدة، بل كان يدارس الرسول J بما ينزله عليه، وَخَاصَّةً في رمضان، وقد قال J أيضا: «إنَّ جبريل قرأ عليَّ بلغة فاستزدته، فقرأ عليَّ بلغة ثانية فاستزدته، حتَّى أكمل سبع لغات»(1)، وأمَّا معنى سبع لغات كما قال الربيع
فقد اختلف فيها العلماء على عِدَّة أقوال(2) أهمها ثلاثة وهي:
- أَوَّلاً: يقصد سبع لهجات؛ فاللغة العَرَبِيَّة كُلُّهَا لغة واحدة، إلاَّ أنَّها
(1) - رواه أحمد في مسنده عن أبي بكرة - رضي الله عنه - بلفظ: «إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَم قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اقْرَأْ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، قَالَ مِيكَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَم: اسْتَزِدْهُ، فَاسْتَزَادَهُ، قَالَ: اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَيْنِ، قَالَ مِيكَائِيلُ: اسْتَزِدْهُ، فَاسْتَزَادَهُ، حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ، قَالَ: كُلٌّ شَافٍ كَافٍ، مَا لَمْ تَخْتِمْ آيَةَ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ، أَوْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ، نَحْوَ قَوْلِكَ: تَعَالَ وَأَقْبِلْ وَهَلُمَّ وَاذْهَبْ وَأَسْرِعْ وَاعْجَلْ». أَوَّل مسند البصريين، حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة، رقم: 20533، 5/ 51. ورواه ابن حبَّان في صحيحه عن أُبيِّ بن كعب - رضي الله عنه -، بلفظ مقارب، باب ذكر الأخبار عَمَّا أبيح لهذه الأُمَّة في قراءة القرآن على الأحرف السبعة، رقم: 737، 3/ 11 - 12.
(2) - انظر: ابن حجر: فتح الباري، كتاب فضائل القرآن، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف، 9/ 23 ـ 32.