في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب

الجزء ١ · صفحة ١٣٤

﴿وَمَآ ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الحشر: 7)، وقال: ﴿مَنْ يُّطِعْ الرَّسُولَ فَقَدَ اَطَاعَ اللَّهَ﴾ (النساء: 80)، وقليلا ما يخطئ النبيُّ J فيما اجتهد في حكمه، فينبِّهه الله تعالى إلى خطئه ويصوِّبه، إِلاَّ أنَّ النبيَّ J لا يعود في القَضِيَّة التي اجتهد فيها خطأ، وإنَّما يبدأ الحكم بما صوَّبه الله تعالى في القَضِيَّة التي تليها بما استقبله من أحداث جديدة، ولا يعدِّل في القَضِيَّة التي أخطأ فيها، سواء أكان ذلك في زمانه أو حتَّى تقوم الساعة، وأمَّا ما قد فصل في قضائه فلا رجعة فيه أبدا.

كما قضى عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - في قَضِيَّة الغرَّاوين في عام من الأعوام بحكم في القرآن، وقضى فيها في العام المقبل باجتهاده، ولكن بما يوافق القرآن الكريم، فحكمه في السنة الأولى غاير حكمه في السنة الثانية، ففي الأولى لم يعط الإخوة الأشقَّاء، وقال لهم أنتم عصبة فلا ترثون، وفي السنة الثانية أعطى لهم نصيبا لأنَّهم جاءوه قائلين: يا عمر كيف لا تعطينا حقَّنا من الميراث وقد أعطيت الإخوة لأمٍّ، فقال: لأنَّ أمَّهم هي أمُّ الهالك، فقالوا نحن كذلك أمُّنا وهم إخوة لنا، فهب هذا الأب حجر عثرة لنا في الميراث فألقه في اليمِّ، أو اعتبره حمارا صدَّ عنا طريق الميراث ـ فليس هذا عقوقا للوالد، وَلَكِنَّ المقصود منه إسقاطه من الاعتبار ـ فإن كان الإخوة لأمٍّ يأخذون الميراث فنحن إخوة لأب وأمٍّ ولا نأخذ الميراث!! فأزح هذا الأذى حتَّى نكون كإخوة لأمٍّ، وبعد هذا كُلِّهِ فهم عمر كلامهم، ورأى الصواب في رأيهم فاعتبرهم جميعا إخوة لأمٍّ، وقسم عليهم الثلث للذكر مثل حظِّ الأنثى، وقسم الثلث على الجميع لكن على الرؤوس بالتوزيع، وبعد قضائه الجديد هذا رجع إليه الذين قضى لهم في العام الماضي بغير ذلك، فقالوا لم تعطنا في العام الماضي حقَّنا، وقد اعتبرتنا عصبة، فارجع في حكمك واقض بيننا بما قضيت به السنة، فقال عمر - رضي الله عنه -:

١٣٣ / ١٨٠