في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
الجزء ١ · صفحة ١٣٣﴿وَلَوْلآَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ يَعِظُكُمُ اللهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا اِن كُنتُم مُّومِنِينَ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الاَيَاتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (النور: 16 ـ 18)، في هذه الآيات الكريمة بَيَّنَ الله خطر الأفَّاكين قائلا: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، فيِ الدُّنْيَا وَالاَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فيِ مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النور: 17).
كما أنَّب المسلمين في شأن أسرى بدر قائلا: ﴿لَوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (الأنفال: 68)، أي أنَّ الله تعالى لو لم يكتب في الأزل من قبل أنَّه غافر لهم، لمسَّهم عذاب عظيم.
وقال الرسول J فيها: «لو نزل العذاب لما نجا منه غير عمر»(1)، لأنَّ عمر أنكر فداء الأسرى من أَوَّل مَرَّة، وطالب بقتلهم، وكذلك في قَضِيَّة الإفك، لولا سبق قضائه تعالى لأنزل عذابا عظيما على الذين تَكَلَّموا إفكا في عائشة رضي الله عنها، وهي المحصنة المؤمنة، وفي صفوان بن المعطَّل البريء بهتانا وزورا.
وكان النبيُّ J يقضي بالقضيَّة، أي أَنَّهُ J إذا أراد أن يصدر حكما في قَضِيَّة ما، ينتظر نزول الوحي فيها، وغالبا ما تنزل عليه الآيات لتحكم بما حكم به من قبل، وأحيانا يدعه الله تعالى لاجتهاده، وهو الذي سنَّ لنا حكم الاجتهاد في التشريع، فإذا اجتهد وأصاب الحق ـ وغالبا ما يكون كذلك ـ تركه الله تعالى على صوابه: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوإِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: 3 ـ 4)، وقال أيضا:
(1) - أورده ابن كثير في تحفة الطالب بلفظ: « … لو نزل من السماء عذاب ما نجا منه غير عمر لأَنَّهُ أشار بقتلهم»، 1/ 468. وانظر: ابن قتيبة الدينوري، تأويل مختلف الحديث، 1/ 158.