في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
الجزء ١ · صفحة ١٤٠أما الرواية التي يوردها أكثر المؤرِّخين من أنَّ الإمام جابر استرجع عندما أخبر أنَّ الناس يكتبون آراءه قائلا: «يكتبون عنِّي ما أرجع عنه غدا»(1) ويقولون عنه: يعني بقوله هذا أنَّه يعارض كتابة الحديث، فالصحيح لا يعني ذلك بتاتا، وهو الذي حاز قصب السبق مع المدوِّنين الأوائل للحديث، في العصر الذي تحفَّظ الكثير عن ذلك، لئلاَّ يشتبه بالقرآن، وإنَّما تفيد معارضته لكتابة آرائه وفتاويه لئلاَّ ينقل عنه شيء ربَّما يرجع عنه بعد أن يتَّضح له الصواب في غيره(2).
- نشاطه: لقد برز الإمام جابر في الفتوى بالبصرة، وأيام الحجِّ في الحجاز، كما اشتغل بالتدريس فتخرَّج عنه تلاميذ مرموقون في البصرة وعمان، وخصَّص وقتا آخر للرحلة في طلب الحديث وتدوينه، وكان نشيطا في مناظرة الخوارج، وهداية المسترشدين والدعوة إلى الحقِّ.
- زهده وقناعته: لقد كان الإمام زاهدا قانعا بالكفاف من العيش، حتَّى افتخر بذلك قائلا: سألت ربِّي ثلاثا فأعطانيهنَّ: سألت زوجة مؤمنة، وراحلة صالحة، ورزقا حلالا كفافا يوما بيوم. وقال لأصحابه: ليس منكم رجل أغنى منِّي: ليس عندي درهم ولا عليَّ دين(3).
وقد طلبه الحَجَّاج أن يكون قاضيا لينال على ذلك أجرة، فاعتذر بالضعف، ولكن طلب منه أن يعطيه عطاءه ويرفع عنه المكروه، فألحقه بصاحب الديوان دون تكلفة، بوساطة كاتبه يزيد بن أبي مسلم، وعيَّن له عطاء، قيل: سبعمائة أو ستمائة
(1) - ابن سعد، الطبقات الكبرى، 7/ 181.
(2) - د. محمد عجاج الخطيب، الوجيز في علوم الحديث ونصوصه، ص 152.
(3) - الدرجيني، الطبقات، ص 213 - 214.