في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
الجزء ١ · صفحة ٣٧الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه»(1)، وأفضل الأعمال إلى الله بعد الإسلام الهجرة، فمن كان قد هاجر مع النبيِّ J ليقوِّي شوكة الإسلام والمسلمين فهجرته عند الله بالمقام الأعلى، ومن هاجر من أجل حطام الدنيا، حيث سمع أحد مثلاً أنَّ الأنصار يقسِّمون أموالهم مع إخوانهم المهاجرين، فيهاجر علَّه يحظى بنصيب منها، أو أن يهاجر من أجل نكاح امرأة سمع أنَّها هاجرت فيهاجر معها لينكحها بالمدينة، كما هو شأن الصحابيِّ الذي هاجر من أجل هجرة من يودُّ الزواج بها، فهجرة هذا مثلاً إلى ما هاجر إليه، سواءً تحصَّل عليه أم لم يتحصَّل، فلا أجر له في الآخرة على ذلك، على أنَّ هناك أحوالاً كثيرة يكون فيها صاحب النيَّة السَّيِّئَة آثما، ويحبط عمله، ويكون في الآخرة من الخاسرين، مثل: الرياء أو السمعة أو حبِّ الشهرة، لقوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمُ، أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ﴾ (هود: 15).
فمن هنا نخلص إلى أنَّ أصل الأعمال النيَّة الخالصة، فمن خلصت نيَّته فله أجرها وأجر العمل بها إن وُفِّق إليها أضعافًا مضاعفة، وإن لم يتسنَّ له العمل، كإدراكه الإمام يسلِّم في صلاة الجنازة مثلاً، فله أجر النيَّة وأجر الصلاة أيضًا، وإن لم يصلّها؛ فهذا معنى «نية المؤمن خير من عمله»، وليس معناها: أن ينوي الشخص ولا يعمل، خير له من أن يعمل، فهذا خطأ، وإنَّما نيَّة المؤمن إذا كان يقصد العمل فهو خير من أن يقوم بالعمل بدون نيَّة.
(1) - رواه البخاريُّ في صحيحه عن عمر - رضي الله عنه - بهذا اللفظ، كتاب بدء الوحي، باب بدء الوحي، رقم 1، 1/ 3.