في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
الجزء ١ · صفحة ٣٦فكما أنَّ الأعمال تكون صحَّتها بالنيات، فكذلك يكون فسادها بالنيات، فإذا كانت النيَّة فاسدة إذ لا ينوي بعمله وجه الله تعالى، بل يقصد به الرياء والسمعة والفخر وما إلى ذلك من أمور الدنيا الفانية، فنيَّتُه وعمله باطلان تمامًا، وقد قال الله تعالى في هذا الشأن: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الاَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُوتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الاَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ (الشورى: 20) فمعنى قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ﴾ أي ينوي؛ فالله تعالى ورسوله الكريم يأمراننا بإخلاص النيَّة لله تعالى وحده، من غير إشراك للشيطان، كأن يحلِّق الناس في مجلس القرآن للتلاوة أو الذكر، ولكن كلٌّ يُجزى على حسب نيته، فمنهم من ينوي بذلك ختم القرآن ومشاركة المسلمين في الأجر، ومنهم من يقصد بجلوسه في ذلك المجلس تلك الصدقة من الخبز أو التمر، وما إلى ذلك من الصدقات، فمثل هذا لا يكون نصيبه من هذا المجلس إلاَّ ما أخذه من تلك الصدقات.
وكان السلف الصالح ـ رحمهم الله ـ يعقدون رحلات من أجل حضور ختم القرآن، سواء في القرية المجاورة أو البعيدة بالكيلومترات، راجين الأجر العظيم إزاء ذلك، فإن أتى الإنسان على هذه النيَّة فقد نال أجر ختم القرآن، والدعوة مستجابة عند الله.
فهذا الذي جاء من أجل شهود ختم القرآن فأجره صحيح موفور ثابت عند الله تعالى، وسيجده أمامه يوم القيامة، ويُسَرُّ به، وإن نال قسطًا من الصدقة فليس ممنوعًا؛ لأنَّه لم ينوِ من مجيئه إلاَّ تلك الصدقة، وأمَّا الذي نوى من قدومه تلك القطعة من الخبز فليس له عند الله سوى تلك القطعة من الخبز، ومن هنا تأتي زيادة البخاريِّ بقوله: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى