في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب

الجزء ١ · صفحة ٥٦

لماذا قال الرسول J : « عَلِّمُوا أَوْلاَدَكُمُ الْقُرْآنَ»؟ ولم يقل لنا: تعلَّموا القرآن، فحتَّى الكبار يحتاجون إلى تعلُّم القرآن؟ ولكنَّه J قصد ذلك حَتَّى نركِّز العناية الكبيرة على الأبناء أكثر؛ لأنَّ التعليم الثابت والناجح هو تعليم الصغار؛ حَتَّى ينشأوا على حفظ القرآن من الصِّبا. وقد ورد حديث آخر في تعليم الصغار القرآن، وهو قوله J : « تعليم الصغار يطفئ غضب الربِّ»(1) والله تبارك وتعالى يرفع غضبه ومقته عن الناس ـ ولو استوجبوه بأعمالهم السيِّئة ـ إن كانوا يعلِّمون الصغار القرآن الكريم، فيرفع عنهم العذاب ببركة هذا التعليم. ثم إنَّ الأبناء يرفعون مشعل القرآن والدِّين من بعد آبائهم، لأنَّ الأولاد صفحة بيضاء ينقش فيها القرآن من أَوَّل وهلة، حَتَّى لا يزول من بعده أبدًا، فَكُلُّ ما يأتي بعده يمكن أن يزول ما عدا المنقوش الأَوَّل وهو القرآن الكريم.

فأوَّل ما يحفَّظ الصغار في الكُتَّاب قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قبل أن نعلِّمه الحروف الأولى ألف، باء … أو الأعداد: واحد، اثنان، ثلاثة … بل يجب أن يتعلَّم الصبيُّ السور القصار من والديه في المنزل، عندما يبدأ النطق، قبل أن يذهب إلى الكُتَّاب، فعندما يوجَّه إلى الكُتَّاب أو المدرسة يكون بذلك قد حفظ الفاتحة وبعض السُّور القصار أيضًا.

فالأمر بالتعليم إذن موجَّه أوَّلا إلى الوالدين ثُمَّ إلى الْمُعَلِّمِينَ. فبعد حفظ الصغير بعض السور على الوالدين أن يأخذا ولدهما إلى حيث يكمل ما بقي من القرآن، لا إلى حيث ينساه.

فهذا أمرٌ من النبيِّ J يجب علينا امتثاله وتطبيقه، فبقاء الإسلام ببقاء القرآن، ولا سيما في الأولاد الصغار والشباب الأغرار، حيث ينشَأون أجيالا مسلمة، ولا يزالون كذلك ما دامت السماوات والأرض، فلو انقطع التعليم من الصغار ـ لا قدَّر الله ـ لبقي القرآن منحصرًا في الكبار، فبموت الكبار يموت القرآن أيضا، وهذا ما يجب أن نحذره.

(1) - رواه الربيع في الجامع الصحيح، عن أنس بن مالك، باب العلم، رقم23، ص30.

٥٦ / ١٨٠