في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
الجزء ١ · صفحة ٥٥الله تعالى مثل قولنا: " ألاَ "، فإذا تنبَّهوا لهذه الحروف العجيبة ألقى إليهم ما بعدها من المعاني والأحكام، فَكُلُّ ما يقولون في هذه الحروف من المعاني والتآويل يختمونها بقولهم: الله أعلم بمراده؛ لأنَّنا لا نستطيع أن نعرف المعنى على وجه التحقيق والقطع، بل الله أعلم بأسراره، هذا وأمثاله من المتشابه من الأمور التي يُردُّ فيها العلم إلى الله تعالى، لقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فيِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ (آل عمران: 7). هذا هو التفسير الذي بيَّنه ترجمان القرآن في أربعة أوجه كما أسلفنا.
كذلك يدخل في تعليم القرآن العلوم التي تنبثق منه، وهي كثيرة: من الفقه والميراث والعبادات والمعاملات والسياسة والحروب والسلم والإمامة، ما يَتَعلَّقُ منها بالأفراد، وما يَتَعلَّقُ منها بالمجتمعات، ثُمَّ العلوم الكونيَّة أيضا، العلويَّة منها والسفليَّة، والبرِّيَّة والبحريَّة، وعلوم الإنسان، وكلِّ ما فيه إشارة في القرآن إلى تعلُّمه، لقوله تعالى: ﴿وَفِي الاَرْضِ ءَايَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمُ، أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ (الذاريات: 20 ـ 21) وقوله: ﴿قُلُ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ﴾ (يونس: 101)، وأمثالها من الآيات كثيرة، فالله تعالى يوجِّه أنظارنا إلى أن نتدبَّر آيات البرِّ والبحر، والسحب والأمطار والرياح وأنفسنا، ويحرِّضنا على أخذ العبرة والتوحيد من هذه الأشياء.
وللمفسِّرين جولات عظيمة في هذه العلوم، فكلٌّ منهم سلك سبيلا؛ فمنهم من نهج طريق المعقول، ومنهم من سلك طريق المنقول، وآخر اعتنى ببلاغة القرآن، وآخر اعتنى بأحكام القرآن، وآخر اعتنى بالكون، وآخر اعتنى بعلوم المجتمع الإنسانيِّ. والقرآن بحر زاخر لا ساحل له، فكلٌّ يغرف منه على حسب علمه وقدرته.