في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
الجزء ١ · صفحة ٦٨أرجح الأقوال سنة ثلاث وتسعين (93 هـ) وبإضافة ثلاث وتسعين سنة بعد الهجرة إلى عشر سنين قبل الهجرة يصبح عمره - رضي الله عنه - مائة وثلاث سنين، فهذه من بركات دعوات النبيِّ J ، حيث أطال الله في عمر أنس تحت كنف الإسلام، فكم شهد من غزوات، وكم نشر من علوم، وكم اجتهد في الأعمال الصالحة، وقد بارك الله تعالى أيضا في ذريَّته، حيث كانوا كثرة صالحة، فقد ولد له من صلبه ثمانون ولدًا ذكرًا وبنتان، وقد بارك الله تعالى أيضا في أمواله، إذ تُوُفِّيَ وهو من أغنياء المدينة، وقسِّم هذا المال الكثير الحلال عند موته على ورثته فكفاهم جميعا، ولا غرابة في هذا؛ لأنَّها من دعوات النبيِّ J المباركة، هذا في الدنيا، وما في الآخرة خير وأبقى.
وقد عاصر أنس بن مالك جابر بن زيد مُدَّة طويلة، وقال فيه لَمَّا تُوُفِّيَ: «مات أعلم من في الأرض»(1)، شهادةٌ عظيمة من أنس لجابر، وقد تُوُفِّيَا في أسبوع واحد، فتُوُفِّيَ جابر أَوَّلاً وعمره خمسة وسبعون سنة (75 سنة)، ثُمَّ تبعه أنس بن مالك بعد ذلك.
روى هذا الخبر إذ قال فيه: «مَا جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ J إِلاَّ سِتَّةُ نَفَرٍ كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ» أي: أنَّه في عهد رسول الله J لم يحفظ القرآن كلَّه إلاَّ سِتَّة صحابة، كلُّهم من الأنصار، وكان يفتخر بهم لأنَّه أنصاريٌّ، إذ ناله الشرف بذلك.
(1) - الدرجيني، طبقات المشايخ، بلفظ: عن الحصي ين حيال أَنَّهُ قال: «لَمَّا مات جابر بن زيد بلغ موتُه أنسَ بن مالك فقال: مات أعلم من على ظهر الأرض، أو قال: مات خير أهل الأرض»، 2/ 205.