في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة (الجزء 1): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب

الجزء ١ · صفحة ٨٥

إلى جانب رسول الله J في طلب العلم والجهاد في سبيله، فهم ينصرون الله ورسوله، وينشرون العلم والدين بين أوساط الناس.

فبينما كان الرسول J سائرًا ومعه أبو هريرة، إذ سمع رجلاً يقرأ سورة الإخلاص، من بدايتها إلى نهايتها، فقال الرسول J : « وَجَبَتْ»، فلم يدر أبو هريرة ماذا يقصد النبيُّ J بقوله: «وَجَبَتْ»، فسأل النبيَّ J ، فقال: «الْجَنَّةُ»، أي: وجبت الجَنَّة لتالي سورة الإخلاص، ثُمَّ قال أبو هريرة: «فَأَرَدْتُ أَنْ أَذْهَبَ إِلَى الرَّجُلِ فَأُبَشِّرَهُ، ثُمَّ خِفْتُ أَنْ يَفُوتَنِي الْغَذَاءُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ J » ، فكان بين خوف من فوات غدائه مع النبيِّ J ، واستحيائه من استئذانه كذلك حتَّى ينتظره، ففضَّل أبو هريرة الغذاء على التبشير، لِمَا فيه من بركة النبيِّ J ، وقد تحدُث هنالك فوائد جمَّة أيضًا، فربَّما تنزل آية، أو يرِد منه J حديث فيحفظه، مع ما في أبي هريرة من فقر؛ لأنَّه من أهل الصفَّة كما سلف الذكر، إلاَّ أنَّه عزم على إخبار هذا الرجل وتبشيره بعد الغذاء، إلاَّ أنَّه ألفاه قد رحل، لحكمة يريدها الله تعالى.

فلو شاء لألهم أبا هريرة إلى معرفة صوت القارئ، أو تذكُّر نبرة صوته، فيبحث عنه حتَّى يبشِّره، وكذلك ليدع الله تعالى ذلك القارئ دائمَ الخوف والرجاء، فربَّما يركن إلى الراحة إذا بشِّر بالجنَّة، والله وحده أعلم بمن يصلح له التبشير وبمن لا يصلح له، فيترك الناس دائمي الخوف والرجاء، والطاعة والجهاد في سبيل الله، حتَّى تتضاعف درجاتهم. والحكمة الأخرى أنَّ مثل هذه البشارات ليست مختصَّة بزيد أو عمرو، وإنَّما تعمُّ كلَّ من يقرأ سورة الإخلاص، بإخلاص من قلبه، وتدبُّرٍ بعقله، فربَّما يكون ذلك الصوت صوت ملك أو جنٍّ؛ يريد الله تعالى أن يبيِّن للناس من خلاله حُكمه في فضل من يقرأ سورة الإخلاص.

٨٤ / ١٨٠