في رحاب السنة (الجزء 3): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 3 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٧١

وزماننا اليوم يخدم هذه القضيَّة؛ حيث أنَّ الاتجاه السياسي والثقافي والعلمي في صالح تحضير البدو، وتقليل عددهم، وذلك بتعميم التعليم وبناء المدارس، فكان يصعبُ على البادي فيما سبق أن يجد وسيلة من وسائل التعلم، إلاّ قليلا منهم، حيث كان يتسنّى لبعضهم حفظ القرآن، فيحفِّظونه لمن هم معهم في تلك البادية، ويحاولون تعليمهم الدين وتعليمهم الصلاة وإمامتهم ووعظهم بما آتاهم الله من علم، والناس يُعينونهم بما أوتوا من مال. أو إنهم يستقدمون من يُعلِّمهم من خارج باديتهم ويستقرّ معهم، وهذا موجودٌ في كثير من المناطق، ولكن ليس كلها لأنَّهم ليسوا على استطاعة واحدة.

إذن فليس هذا الحديث، من النبي مجرَّد حكاية فقط «الإيمان يَمانيٌّ والحكمة يَمَانيَّة»، كما في حديث آخر، «والفتنة وغلظ القلوب في ربيعة ومُضر عند الفَدَّادين في أصول أذناب الإبل»، وإنَّما للاعتبار والادِّكار ولاتخاذ الوسائل أيضًا، حتى يتحمَّل أهل البادية مسؤوليتهم، ويفكّروا في أمر دينهم، ويقتربوا من أهل الحضر، أو يأتوا بمن يعلِّمهم أمر دينهم؛ فـ «طلب العلم فريضة على كل مسلم»(1)، «أطلبوا العلم و لو بالصين»(2)، وهذا مما على أهل البادية أن يفعلوه ولا يكتفوا برعي الغنم، وسوق الإبل فقط، وأمَّا ما يلزم الحكومات فهو تحمّلُ مسؤوليتها تجاه أهل البدو، فهم من ضمن الشعب فيوفرون لهم المدارس والعلم في المداشر والجبال والصحاري، ـ وهذا ما هو كائن ـ ولكن الذي نريده أكثر هو التركيز على التربية الدينية أكثر في تلك البوادي، فتُعنى الوزارة بتركيز الحصص الدينية وتقوية موادها بصفة أكبر، وجعلها من المواد الأساسية.

يكفينا ما قلناه في هذا الحديث، ونكلُ أمره إلى الله، والحمد لله رب العالمين.

}

(1) رواه ابن ماجة، عن أنس بن مالك. سنن ابن ماجة، باب فضل العلماء والحث: 224.

(2) رواه الربيع، الجامع الصحيح، رقم: 18. وقد سبق شرحه في الجزء الثاني من «في رحاب السنة». ص:17

١٧١ / ١٩٢