في رحاب السنة (الجزء 4): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 4 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٤٤

يُروى هذا الحديث من طريقه المتَّصل عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عبَّاس عن النبي ح، وفي هذا المسند رُوي بطرق أخرى صحيحة أيضاً، فقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ثلاث كيفيات للتَّوضُّؤِ، الأولى هي: التوضؤُ مرَّة مرَّة لكلِّ جارحة، والثانية التوضؤُ مرَّتين مرَّتين لكلِّ جارحة، إلاَّ المسح من الرَّأس والأذنين فالسنَّة فيها مرَّة واحدة، وأمَّا الثالثة فالتوضُّؤ فيها ثلاثاً ثلاثاً لكلِّ جارحة، ما عدا الرَّأس والأذنين كذلك، مع بيان كلِّ كيفية.

ففي الكيفية الأولى: تَوَضَّأَ مَرَّةً فَقَالَ: «هَذَا وُضُوءٌ لاَ تُقْبَلُ الصَّلاَةُ إِلاَّ بِهِ»، أي أنَّه لا وضوء أقلَّ من مرَّة واحدة لكل جارحة، ومعنى هذا أنَّه إن توضأ مسلم مرَّة مرَّة لكلِّ جارحة فوضوؤُه صحيح، غير أنَّ المؤمن الحقيقيَّ لا يتنازل عمَّا ينال به الأجر

المضاعَف، وهي الطريقة التي يغسل بها ثلاثا ثلاثا، والذي هو وضوء النبي والأنبياء من قبله جميعًا، وأجاز النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء مرَّة مرَّة لا للاستمرار على ذلك وإنَّما للظروف الخاصَّة، كنقص الماء مثلا، بحيث لو أسبغ الإنسان الوضوء مرَّة واحدة لكلِّ عضو بذلك الماء لكفاه، وإن أسبغ به ثلاثاً ثلاثاً فلن يكفيه، خاصَّة إن كان في سفر أو في صحراء خالية، فيضطر إلى الإنفاق من ماء الشرب لأجل ذلك الوضوء، فهذا جائز ـ بل هو المطلوب إن كان باستطاعته فعل ذلك ـ وهو أفضل له من التيمُّم، ولا يجوز له أن يتيمَّم أبداً إن كان باستطاعته تحصيل بعض الماء، كذلك يكون هذا الوضوء للمريض أو المستعجل في الطريق لركوب الحافلة أو القطار، فإن صلَّى بهذا الوضوء فهو جائز، وهو من رحمة الإسلام بالأمَّة، فقد تعترض المسلم في حياته مثل الحالات التي أسلفنا ذكرها، فيتوضَّأ مرَّة مرَّة ويكون ذلك أولى له من أن يتيمَّم.

١٤٤ / ٢٣٢