في رحاب السنة (الجزء 4): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 4 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٩٩

وهذا الذي رواه أبو عبيدة عن جابر بن زيد أنَّه قال بلغني عن عثمان، أي أنَّه لم يسمعه مباشرة، وإنَّما بلغه بواسطة، وطبعًا جابر ثقة ولا يمكن أن يُبلِّغه إلاَّ ثقة من الصَّحابة رضوان الله عليهم، والصَّحابة لا يكذبون ش، فبلغه إذن أنَّ عثمان بن عفان كان جالسًا في مقاعد، والمقاعد ماهي إلاَّ زوايا أو حافَّات أرصفة صغيرة تكون في الأسواق ومداخل المساجد والمتاجر، يستريح فيها الناس ويستظلُّون، فجاء المؤذِّن فأذَّن لصلاة العصر، فدعا بوضوء فتوضَّأ وهو في ذلك المقعد، فقال لمن كان معه بمناسبة إسباغه للوضوء والله لأحدثنَّكم حديثا.

فحلف عثمان سفي كلامه لتيقُّنه من صحَّة ذلك الحديث: فقال: «وَاللَّهِ لأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا»، حيث سمعه من الرسولح، فزاد وأكَّد صدق ذلك بقوله: «لَوْلاَ أَنَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ»، ثُمَّ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِحيَقُولُ: «مَا مِنِ امْرِئٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ لِصَلاَتِهِ»، ولابدَّ هنا أن نفقه قولهح، فيُحسن وضوءَه مثلما أسلفنا أنَّ هنالك من لا يحسن الوضوء ولا يُعمِّمون الجوارح بالغسل، فلربما يكون أحدهم يتوضَّأ بسرعة فيغسل رجليه دون تمعُّن، وإن كان معه أحد فيشير له إلى ما تركه من بُقع لم يصلها الماء، فكيف يكون مصيرُ مثل هذا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَيْلٌ لِلُّمعٍ من النَّارِ»، وهذا الإمعان في الغسل ليس بشيء عسيرٍ، وإنَّه ليسير على من يسَّره الله عليه، وإنَّما تهاوُن بعض الناس يجعلهم يستعسرون الأمر، وهذا لا يجمُل بالمؤمن، بل عليه أن يعوِّد نفسه الإتقان والإحسان.

«ثُمَّ يُصَلِّيهَا» أي الصلاة التي توضَّأ من أجلها سواء أكانت فريضة أم سُنَّة أم نافلة، «إِلاَّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّلاَةِ الأُخْرَى حتَّى يُصَلِّيَهَا»، ونفهم من هذا أنَّ الله

١٩٩ / ٢٣٢