في رحاب السنة (الجزء 4): شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الناصر بن محمد المرموري

في رحاب السنة للشيخ الناصر مرموري ج 4 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٩٧

وهذا مما أقرَّه الرسولح، في حديث حفظه عبد الرحمن بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا سَمِعْتَ بِعَدْوَى في أَرْضٍ فَمَنْ كَانَ فِيهَا فَلاَ يَخرُجْ مِنْهَا وَمَنْ كَان خَارِجَهَا فَلاَ يَدْخُلْهَا»(1). وبهذا أنفذ سيدنا عمر بن الخطّاب رضي الله عنه هذا القرار لمَّا ظهر الطاعون بالشام، فحذَّر من هم داخل الشام من الخروج منها لأنهم سينقلون العدوى خارجها، وحذَّر الذين هم خارج البلد من أن يدخلوا إليها كي لا يصيبهم المرض، فمن أصيب يؤخذ للعلاج ويُعزل عن أهله، ومن سلم منه يطعَّم بالطعم المضاد حتَّى تكون لهم حصانة ضدَّ هذا المرض، والأطبَّاء يُقرّون بمنفعة هذه التطعيمات، غير أنَّ هنالك من تكون لهم حصانة ذاتية فلا يصيبهم ذلك المرض ولو لم يطعَّموا، وهنا يأتي قوله ح «لا عَدْوَى» فإذا أذن الله أن يُعدى فإنه سيُعدى وإلاَّ فلا يُعدى، ولكنَّنا مأمورون بالوقاية التي هي من صميم الشريعة، ولسنا نفرُّ من قدر الله، غير أنَّنا نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله، فالمرض مُقدَّر للذين مرضوا، والسلامة مقدَّرة للذين سلموا، ولو كانت بذلك التطعيم، فهو مكتوب لهم أيضًا في قدر الله.

(1) أخرجه البخاري في صحيحه بلفظ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ - أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ، فَلَمَّا كَانَ بِسَرْغَ بَلَغَهُ أَنَّ الوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّأْمِ - فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» رقم: 5730، 7/ 130.

٩٧ / ٢٣٢