قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٠٣والعقل المكتسب ينطوي على ثلاثة أنواع من الأحكام:
1 - أحكام متعالية عن الوجود الحسي ومرتبطة بالوجود المغيّب، كالحكم بأن النفوس تبعث من جديد بعد موتها لتثاب على أعمالها.
2 - أحكام قيمية توجه العقل في دائرة الحياة الاجتماعية، كالحكم بأن الصدق حسن والكذب قبيح.
3 - أحكام تجريبية مستمدة من ملاحظات الإنسان الطبيعية والتاريخية، كالحكم بسقوط الأجسام التي تزيد كثافتها عن كثافة الهواء نحو مركز الأرض (1).
ويضيف لؤي صافي قائلاً: إن التأمل في بنية العقل يظهر لنا أن التعارض بين أحكام الوحي وأحكام العقل الفطري غير ممكن، نظراً لخلو العقل الفطري من الأحكام المضمونية واقتصاره على الأحكام الإجرائية لا يملك أن يقضي بصدق أحكام مضمونية منفردة أو كذبها، لكنه قادر على الطعن في مصداقية منظومة من الأحكام من خلال إظهار تناقضها الداخلي، فلا يملك العقل الفطري مثلاً أن يعارض حكم القرآن بخلق الإنسان من طين، فإذا ظهر الاتساق الداخلي لمنظومة الأحكام القرآنية امتنع على العقل الفطري الاعتراض أو التشكيك في أي حكم منفرد من أحكام القرآن. فإذا امتنع قيام تعارض بين الوحي والعقل الفطري فهل يمكن قيام تعارض بين الوحي والعقل المكتسب؟
للإجابة عن هذا السؤال يجدر بنا أن نلحظ بدءاً البنية الداخلية للخطاب القرآني، إذ يتألف القرآن من آيات تنطوي على أحكام متعلقة بثلاثة مستويات من الوجود: الوجود الكلّي المغيب، والوجود الطبيعي المشاهد، والوجود الإنساني الاجتماعي المعيش.
لكن الأحكام القرآنية هذه ليست أحكاماً ناجزة بل أحكام ثاوية في النص المنزل تحتاج إلى إعمال عقل ونظر قبل استخراجها، ولأن الوحي مصدر معرفي يستمد العقل مضمونه منه فإن قيام تعارض مباشر بين آيات الكتاب والعقل المكتسب من تطبيق العقل الفطري على تلك الآيات ممتنع أيضاً، إذ لا يمكن بأي حال أن تتعارض المفاهيم والتصورات
(1) لؤي صافي "إعمال العقل" ص80 - 103، بتصرف.