قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٠٢مضمونه. كما دعا القرآن إلى تأسيس المعتقدات على قواعد معرفية ثابتة، وعلي يقين علمي ناجم عن نظرة ناقدة متفحصة.
يقول تعالى ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ الإسراء: 36، وقال أيضاً: ﴿وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ النجم: 28.
والقرآن يدعو الإنسان إلى الاستدلال على وجود الله وقدرته من خلال النظر في ملكوته ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾ آل عمران: 190، ويدعوه إلى التصديق بمرجعية الكتاب الإلهية من خلال التدبر في آياته ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ النساء: 82.
ثم يفصل لؤي صافي الحديث في إشكالية التعارض من خلال استعراض مفهوم العقل، وانقسامه إلى عقل فطري "غريزي"، وعقل متحصل "مكتسب"، وأن العقل الفطري يتحدد بالقدرة على توليد تصورات كلية بسيطة تتحصل من خلال تجريد المدركات الحسية، ترتبط فيما بينها لتشكل أحكاماً ينجم عنها تصورات مركبة، وهذه الأحكام والتصورات تشكل القاعدة المنطقية والرياضية، مثل قاعدة كون الكل أكبر من الجزء. وهذ القسم من العقل هو الذي يمثل القاسم المشترك بين الناس كلهم، ويؤدي فقدانه إلى اختلال الفهم والعجز عن التفكير السليم.
أما العقل المكتسب، فإنه متحصل من الخبرة الإنسانية، ومتولد من تطبيق العقل الفطري على موضوع ما، فعملية النمو العقلي في حقيقتها نمو للعقل المكتسب بتحصيل المعارف والاستفادة من خبرات السابقين، وإعمال مباديء العقل الفطري على مصدر معرفي معين.