قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٠٥آيات الآفاق والأنفس. بل التعارض في حقيقته تعارض بين منهجيات البحث والنظر، ومنظومات الأحكام المضمونية الناتجة عنها، لذلك وجدنا أن الخلاف بين ابن تيمية والرازي ليس خلافاً في تعارض أحكام نقلية وعقلية بعينها، بل خلاف في آليات الاستدلال وأولويات المصادر، فابن تيمية يرفض تقديم قطعيات العقول على ظنيات الأخبار بالقول: "مقدمات الأدلة العقلية المخالفة للسمع فيها من التطويل والخفاء والاشتباه والاختلاف والاضطراب ما يوجب أن يكون تطرق الفساد إليها أعظم من تطرقه إلى مقدمات الأدلة السمعية" (1).
فالقضية في جوهرها إذن قضية رفض أهل الحديث لتحكيم المدارك العقلية في النص، سواء ما تعلق منه بتأويل آيات الكتاب عند امتناع حمل معانيها على ظاهرها أو بردّ أخبار الآحاد ظنية الثبوت عند تعارضها مع اليقينات العقلية (2).
بيد أن موقف أهل الحديث الرافض لإقحام العقل في فهم النص، والمصر على الحرفية في الفهم والاتّباع حتى عند تعارض دلالة النص الظاهرية مع اعتقده العقل يقيناً، موقف مضطرب يؤدي إلى اعتبار الجزئي ورفض الكلّي، واعتماد الظني ورد اليقيني، ذلك أن فهم النصوص وتحديد دلالاتها يتوقف على أمرين.
الأول: تحديد معاني الألفاظ من خلال مقارنتها بالاستخدامات المختلفة للألفاظ ضمن الخطاب الكلّي، وبالتالي فإن تحديد معنى الألفاظ المتضمنة في النص يحتاج إلى عملية استقراء ينتقل فيها العقل من الجزئي إلى الكلّي، من خلال مقايسة الجزئيات بعضها ببعض.
أما الأمر الثاني المهم الذي يتوقف عليه فهم النصوص فيتعلق باختيار المدلول، وتحديد أوجه دلالة النص عليه. وهذا يعني أن فهم أي جزئي لا يتم إلا من خلال ربطه بمجموعة من الكلّيات التي تشكل في جوهرها الأحكام المضمونية لعقل المفسر لمفهوم النص.
وبناءً على ما تقدم نخلص إلى أن الوصول إلى اليقين المعرفي لا يمكن أن يتم إلا من خلال تطوير منظومة من الأحكام الكلّية اليقينة المتحصلة من خلال نظر واستدلال عقليين
(1) ابن تيمية "درء تعارض العقل والنقل" ص174.
(2) لؤي صافي "إعمال العقل" ص103 - 105. بتصرف.