قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٠٦

في مصدري المعرفة الرئيسيين: الوحي والواقع. بمعنى أن الأحكام الكلّية هذه تتولد نتيجة لتواطؤ الأحكام الجزئية المستقرأة من مفردات الوحي وتمظهرات الواقع، ومن هذا المنطلق يظهر تهافت دعوة أهل الحديث إلى تأسيس المواقف على أساس نصوص مجتزأة أو حوادث متفرقة، ذلك أن تظافر النصوص وتواطؤ الحوادث شرط أساسي للوصول إلى قناعات راسخة وأحكام يقينية، ومن تأسيس تصور كلي لجال من مجالات الوجود.

وهكذا يظهر لنا أن تعارض العقل والنقل في فحواه تعارض بين نصوص جزئية ومجموعة من المباديء الكلّية، وبالتالي النظر العلمي يقتضي إلحاق الجزئي بقاعدة كلية، فإن تعذر نظرنا في إمكان تعديل القاعدة الكلّية لدفع التعارض الكلّي والجزئي، فإن تعذر فلا مفر من التوقف في اعتبار الجزئي واستمرار العمل بالكلّي، أي التوقف في النص، واعتماد منظومة القواعد الكلّية التي تشكل البنية الداخلية لعقل الناظر في النص (1).

وقد عمد الفخر الرزاي في كتابه "أساس التقديس" إلى تأسيس قواعد عقلية يقينية مستنبطة من نصوص الوحي، يحاكم من خلالها حشوية ابن خزيمة الذي حاول في كتابه "التوحيد" منع تأويل النصوص وحملها على المجاز لينتصر لعقيدة التشبيه التي يتبناها أهل الحديث، ولم يعرض الرازي قواعده بصورة منهجية لكننا نستطيع تقسيمها إلى أربع قواعد تنزيهية:

القاعدة 1: يمتنع تشابه الباري أو تماثله مع أي من خلقه:

﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ الإخلاص: 1 - 4.

﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ البقرة: 22.

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ الشورى: 11.

(1) لؤي صافي "إعمال العقل" ص105 - 107. بتصرف.

١٠٦ / ٢٦٦