قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٩٢

فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} الفجر: 6 - 8، فأخبر أنه لم يخلق مثلها في البلاد وكلاهما بلد، فكيف يقال إنه جسم فهو مثل لكل جسم في لغة العرب حتى يحمل على ذلك قوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ الشورى: 11، وقد قال الشاعر ليس كمثل الفتى زهير، وقال ما إن كمثلهم في الناس من بشر" (1).

والظاهر أن ابن تيمية قد فاته في غمرة الدفاع عن عقيدة أهل الحديث أن هناك قرينة تدل على أن قوله تعالى ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ محمد: 38، يقصد منه أن الاختلاف بين القوم الموعودين والقوم المتوعدين -وهما من جنس واحد- هو في الاستجابة إلى أمر الله بالإنفاق في سبيله فقط. وذلك يؤكده سياق الآية الذي جاء فيها ﴿هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ محمد:38.

أما قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ الفجر:7 - 8، فإن الإختلاف المقصود بين إرم وغيرها من البلدان –وهن جميعاً من جنس واحد- هو اختلاف في العمران فقط.

أما استدلال ابن تيمية بقول الشاعر:

ليس كمثل الفتى زهير … خلق يساويه في الفضائل

فهناك قرينة لفظية ظاهرة تبين أن المقصود بعدم المماثلة هو في الفضائل فقط وهو قول الشاعر "يساويه في الفضائل".

(1) ابن تيمية "بيان تلبيس الجهمية" ج1ص533.

١٩٢ / ٢٦٦