قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٩٣وربما التبس على ابن تيمية الأمر، فالآيات والأبيات التي يستدل بها هي للمقارنة بين أشياء من جنس واحد "المدن والبشر"، وهو يريد أن يسحب هذه المقارنة بين المخلوقات المتجانسة إلى المقارنة بين الله تعالى ومخلوقاته!، معتمداً في ذلك منهج أهل الحديث القائم على قياس الغائب على الشاهد!.
ومن الشبه التي يرددها أهل الحديث في إثبات منهجهم في التعامل مع النصوص المتشابهة بصورة ظاهرية تعلقهم بقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ص:75، حيث يقول محمد الموصلي ناقلاً عن ابن القيم: "نفس هذا الكلام المذكور في قوله ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ يأبى حمل الكلام على القدرة، لأنه نسب الخلق إلى نفسه سبحانه، ثم عدى الفعل إلى اليد، ثم ثناها، ثم أدخل الباء التي تدخل على قوله: كتبت بالقلم، ومثل هذا النص صريح لا يحتمل مجازاً" (1). والواقع بخلاف قول ابن القيم فقوله تعالى ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ عبارة عن صلة، فيكون المعنى المقصود "خلقت بنفسي"، وإضافة الخلق إلى الله هي إضافة تشريف وتعظيم، وهذا مثل قوله تعالى ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ القصص:88 فالوجه صلة، ولو تنزّلنا بأن المقصود هو القدرة فإن في إضافة تلك القدرة إلى ذات الله تعظيم ورفعة لآدم، وهذا التركيب محتمل للمجاز قطعاً وليس كما ادعى ابن القيم، مثال ذلك: يقول الملك هذا المجد صنعته بيديّ.
وإن أصر ابن القيم على إثبات يدين لله تعالى من هذه الآية فيلزمه أيضاً بناءاً على قاعدته في إثبات ظواهر الألفاظ إثبات أيدي كثيرة لله تعالى القائل ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ يس: 71. وإن تشبث ابن القيم بمقارنة حرف الباء لليد، فعليه أن يذكر أن الله تعالى قال: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ البقرة: 195. وليس يلقي الإنسان نفسه إلى
(1) محمد الموصلي في "مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم الجوزية" ص515.