قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٩٥عقيدة الإرجاء (1)
جاء الإسلام لينقذ البشرية من همجية الجاهلية وعبثيتها ويسير بها إلى نظام الكون والمجتمع والأسرة والسلوك الفردي، وجاء لينتشل الأغنياء من قيود الشح وتعاسة الحسد، ويحرر الفقراء من أغلال الحرمان وفوضى الوسائط التي فرضتها رغبات النفس الأمارة بالسوء للملأ من أغنياء القوم ومترفيهم، ففرض الإسلام أوامراً تنظم حياة الإنسان، وحرّم أشياء لتجنبه العودة إلى مآسي الجاهلية، وجعل الإتيان بتلك الأوامر والإنتهاء عن تلك المحرمات أساس العبادة التي من أجلها خلق الإنسان ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ الذارايات: 56، هذه العبادة التي ترتقي بالإنسان من حضيض الجاهلية إلى قمة الخلافة الكونية التي أرادها الله تعالى لآدم وبنيه ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ فاطر: 35.
ولأن الإسلام رباني المصدر فإنه لم يغفل عن عوارض النفس البشرية التي لا تلبث أن تخالط المعاصي من إخلال بالأوامر أو انتهاك للمحرمات، فلهذا حدد قواعد عامة للتعامل مع النفس البشرية إن هي اخطأت، فالمعاصي الصغيرة تلغى تلقائياً طالما استمر الإنسان في مسيرة الاستقامة والالتزام بأوامر الله والبعد عن نواهيه ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا﴾ النساء: 31.
أما المعاصي الكبيرة التي يصيبها الإنسان في حالات الضعف الإيماني فقد جعل الإسلام لها سبيلاً ومخرجاً، وذلك عن طريق الأوبة إلى جلال الله والتسليم بالتوبة لجنابه، والندم على التفريط في أوامره، ومعاهدته تعالى على عدم الرجوع إلى هذه الكبائر مجدداً، يقول تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ طه: 82.
(1) الإرجاء هو القول بأن الفاسق أمره مرجأ إلى مشيئة الله يوم القيامة، فإن شاء عذبه، وإن شاء غفر له.