قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٩٦الإسلام العظيم جاء مربياً للإنسان على الفضيلة والبعد عن مستنقعات الرذيلة كي يكون جديراً بحمل مشعل الخلافة الكونية، فلهذا نرى أن الإسلام مهد طريق الخير وسهله، وجعل السدود والحواجز ليحول دون وقوع الإنسان في حبائل النفس الأمارة بالسوء ومكائد الشيطان، واعطى دواء التوبة لكل من ابتلي بمرض المعاصي.
هذا هو الإسلام بصفاء عقيدته ونقاء شرائعه وأحكامه، إلا أن نفوس المجرمين المنتسبين للإسلام أرادت إحياء فكر الجاهلية لتجعله قاعدة يسير على أساسها فكر الأمة الإسلامية، فأوهموا الأمة وأوحوا إليها أن المسلم يستطيع ترك أوامر الله وانتهاك محرماته –على ما في ذلك من إهلاك للنفس والمجتمع والأمة- ومع ذلك يدخل ضمن قائمة الفائزين بجنات الله ونعيمها الدائم دون حاجة للتوبة والأوبة إلى جلال الله وحظيرة شرعه!.
إن التعلق بمثل هذه الأوهام قد أضر بالأمة إضراراً بالغاً وجرأها على الإنحلال من الأخلاق والفضيلة، والانغماس في مستنقعات الفجور والرذيلة، حتى غدت أمة مزدراة في عيون أعدائها، وفقدت مصداقيتها فيما تدعو إليه بسبب سلوكها المخالف لأقوالها، ولا عجب إذن أن نعاني من الأزمات الفكرية وما صاحبها من تداعيات سياسية واقتصادية واجتماعية، كيف لا ونحن نعاني انشطاراً بين القول والعمل (1).
لكن الإسلام العظيم لم يغفل عن مثل هذه الشطحات الشيطانية، فأكد على قواعد راسخة اجتثت هذا الفكر العفن من جذوره، وهذه القواعد الكلّية أصلتها النصوص المحكمة من الكتاب والسنة المجتمع عليها، والأدلة العقلية القطعية التي تجزم ببطلان هذه الأفكار وسخافتها لما تبثه في الأمة من ابتعاد عن أوامر الله وانتهاك لحرماته.
وهذه القواعد الكلّية هي:
القاعدة الأولى: خلود أصحاب الكبائر في النار إن لم يتوبوا إلى الله.
1 - يقول تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ
(1) خالد الوهيبي "معالم للزمن القادم" ص45.