قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٠٤الأولى: غفرانه تعالى لجميع ذنوب أهل الإسلام.
الثانية: عدم مغفرته تعالى للشرك.
والأخذ بظاهر الآية دون مبالاة في تناغمها مع بقية النصوص المحكمة سيؤدي إلى إشكالات نصية كبيرة، وذلك أن المغفرة قد ربطها الله تعالى في نصوص محكمة كثيرة بالتوبة كما في قوله تعالى ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ طه: 82، وقوله عز وجل: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ النساء: 17 - 18. فلو سلمنا بمنطق أهل الحديث للزمنا إلغاء هذه النصوص المحكمة من الكتاب العزيز والتشريع الإسلامي!.
إلا أن التأويل المنضبط وفق القرائن اللغوية يفيدنا أن الآية التي استدل بها أهل الحديث جاءت بصيغة العموم، فهي إذا عامة، وقد خصصتها نصوص وجوب التوبة لحصول المغفرة، وهذا التأويل النابع من روح اللغة العربية ينقذ آيات الكتاب العزيز من الاشتباه والتعارض والتناقض ويجعلها تتآلف في انسجام وتناغم يؤكد عظمة وإعجاز القرآن الكريم.
والشيء نفسه يقال في ما قررته الآية من عدم مغفرة الله تعالى للشرك، وذلك أن الله تعالى أخبرنا بأنه يغفر للمشرك إن هو دخل في الإسلام، وذلك في قوله تعالى ﴿فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ البقرة: 137، فنفي الله سبحانه وتعالى للتوبة على المشرك عامة خصصتها توبته على المشرك إذا أنفك عن شركه وتاب ودخل في حيظرة الإسلام.
واستدل أهل الحديث بقوله تعالى {وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا