قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٠٣ولا وجود في هذا الآية ذكر لخروج أهل الكبائر من النار وأنهم سيخرجون من النار كما يدعي هؤلاء، إلا إذا افترضوا وجود فراغ في النص يقول بأن الله يغفر الذنوب حتى ولو لم يتب الإنسان من ذنبه!.
والحق أن هذه الآية تقرر سعة مغفرة الله تعالى، وهذه المغفرة ليست عبثية كما تفترضها العقلية الجمعية للمحدّثين، لأن ذلك سيؤدي إلى التعارض والتناقض بين آيات الكتاب العزيز، فالتوبة لها شروط حددتها نصوص قطعية من القرآن الكريم مثل قوله تعالى ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ طه: 82، ولو سلمنا بمنطق أهل الحديث وأسقطنا شرط التوبة للمغفرة لوقع التعرض والتناقض، بيد أن الأسلوب المنطقي في التعامل مع هذه الآية هي النظر إلى تناغمها مع بنيان النصوص المحكمة الأخرى التي توجب التوبة كشرط للمغفرة من الكبائر، والذي يؤكد ما توصلنا إليه هو أن الله عز وجل يذكر بعد الآية التي استدلوا بها مباشرة ضرورة التوبة والإنابة إليه قبل أن يأتيهم العذاب وتنعدم فرص المغفرة، وذلك في قوله تعالى ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ الزمر: 54 - 56، وما وقع أهل الحديث في مطب الفهم السيء للنصوص إلا بسبب تعاملهم معها بصور مجتزئة مبتسرة مسلوخة من السياق العام والقواعد الكلّية التي حددتها النصوص القطعية المحكمة.
كذلك استدل أهل الحديث بقوله تعالى ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾ النساء: 116، ولا نجد في هذه الآية أدنى إشارة إلى خروج أهل الكبائر من النار كما يدعي هؤلاء!، إلا إذا افترضوا مرة أخرى أن هناك فراغاً في النص يجب ملؤه بأفهامهم، فالآية ترسخ حقيقتين ثابتتين: