قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٠٦ثانياً: الاستثناء في قوله تعالى ﴿إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ﴾ لا يدل على الانقطاع، بل يدل على أن المخبر عنه –وهو الخلود في النار- دائم بمشيئة الله عز وجل لا بمشيئة غيره، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ هود: 108 علماً بأننا نقطع بأنه لا يخرج من الجنة أحد البتة، فالمقصود بالآية أن دوام نعيم أهل الجنة إنما هو ثابت بمشيئة الله لا بمشيئة غيره، ومثاله أيضاً قوله تعالى ﴿سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى * إِلَّا مَا شَاء اللَّهُ﴾ الأعلى: 6 - 7، والنبي (صلى الله عليه و سلم) لم ينسى شيئاً من القرآن المقروء، ولو نسي شيئاً منه لسقطت عصمة النبوة، ومثاله أيضاً قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ﴾ عبس: 21 - 22، علماً بأن نشر الخلائق يوم القيامة أمر مقطوع بحصوله، ومثاله أيضاً قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ﴾ الفتح: 27، ودخولهم المسجد الحرام شيء مقطوع به وهو يؤكد قوله تعالى قبل ذلك ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ الفتح: 27 (1).
كذلك استدل أهل الحديث لترسيخ عقيدة الإرجاء في الأمة بقوله تعالى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ هود: 106 - 107.
وقوله تعالى ﴿إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ﴾ الذي نسج حوله أهل الحديث أحلامهم وأوهامهم يقال فيه نفس ما قيل في جواب الدليل السابق. كما أنه يلزمهم القول حسب تأويلهم الهرمسي للآية الكريمة أن يقطعوا كذلك بخروج بعض أهل الجنة منها، وذلك لأنه جاء بعد
(1) أحمد بن حمد الخليلي "الحق الدامغ" ص192 - 193. بتصرف.