قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٠٧هذه الآية ما يقابلها في جزاء أهل الجنة وهو قوله تعالى ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ هود: 108.
وأصل قوله تعالى ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ هو مما تقوله العرب في الاستبعاد والتأبيد، "كقولهم لا أفعل هذا ما اختلف الجديدان، وما اختلف الليل والنهار، وما حنّت الإبل، وما أقام الجبل، وما دامت السموات والإرض، وما أطما البحر" هذا كله به يريدون به التأيبد واستبعاد الانتهاء، فخاطبهم الله بما يعقلون من كلامهم" (1)، بيد أن التعاطي النصوصي التجزيئي الذي ينتهجه أهل الحديث بالإضافة إلى إنكارهم المجاز يجعلهم يتشبثون بظواهر الألفاظ المتشابهة ليتسلقوا جُدر الآيات المحكمة.
واستدل أهل الحديث أيضاً بقوله تعالى ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلْطَّاغِينَ مَآبًا * لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ النبأ: 21 - 23. ولا وجود لذكر أهل الكبائر وخروجهم من النار في هذه الآية.
وكلمة الأحقاب التي استشكلت على أفهام أهل الحديث مأخوذة من أحقب إذا أردف، فهي تدل على الترادف المستمر الذي لا انقطاع له كما قال الحسن البصري: "أما الأحقاب فليس لها عدة إلا الخلود في النار" (2)، ويلزم أصحاب هذا الرأي الذي توهم أن الآية تقرر خروج أهل الكبائر من النار أن يقطعوا أيضاً بفناء عذاب النار للكفار، لأن الآية تتحدث عن جميع أهل النار، ولا ذكر للتفريق بين حال أهل الكبائر وغيرهم إلا إذا افترضنا وجود فراغات نصية يجب ملؤها بأفكار أهل الحديث!.
(1) جميل بن خميس السعدي "قاموس الشريعة" ج5ص472.
(2) تفسير الطبري ج30ص11.