قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٠٩عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. وهذا التقسيم يتوافق وما أصله علماؤنا في قضية الولاية والبراءة، فالناس إما شخص بان لك صلاحه فتواليه، أو شخص بان لك ضلاله فتتبرأ منه، أو شخص خفي عليك أمره فتتوقف فيه، وهذا التقسيم نفسه هو الذي جاءت الآيات السابقة لتبينه للأمة. وليس في الآية دليل على عقيدة الإرجاء من قريب أو بعيد.
مما سبق نجد أن النصوص الواضحة الجلية المحكمة تقطع بما لا يدع مجال للشك أن أهل الكبائر من الفجار مخلّدون في النار، وأن دعوى النصية على خروجهم ليست إلا فقاعات تتبخر حين تلامس سطح الحقيقة.
وحين أعيَّت أهل الحديث الحيلة في إثبات دعواهم اضطروا إلى اختلاق النصوص وتعليبها في طابع روائي، وتمت احاطتها بالعصمة عن طريق نسبتها إلى النبي (صلى الله عليه و سلم)!، وهذه النصوص يغلب عليها طابع الخرافة والأساطير الموجودة في تراث الأمم السابقة، وهي مع ذلك لا يمكن لها أن تؤسس عقيدة لأنها روايات آحادية ظنية الثبوت –ونحن لا نشك في وضعها- كما أنها تصادم نصوصاً قطعية الثبوت والدلالة في خلود أهل الكبائر في النار.
من تلك الروايات المختلقة، ما نسبه أهل الحديث إلى الرسول (صلى الله عليه و سلم) وأنه قال لأبي ذر: "ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة. قال أبو ذر: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق؟ فال: وإن زنى وإن سرق. قال: وإن زنى وإن سرق. ثلاثاً، ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر" (1). والبخاري في كتابه "صحيح البخاري" أدرك سخافة الاستدلال بهذه الرواية لإثبات خروج أهل الكبائر من النار فعلق عليها قائلاً: "قال أبو عبد الله –يعني أحمد بن حنبل-: هذا عند الموت أو قبله إذا تاب أو ندم، وقال: لا إله إلا الله، غفر له" (2).
وهذه الرواية الملفقة عبارة عن دعوة مفتوحة للفجرة والمجرمين للسرقة واقتراف فاحشة الزنا العظيمة!، وأبو ذر الغفاري رضي الله عنه ابتلي بوضع الأحاديث الكثيرة عليه، وذلك
(1) البخاري 5827 و2388 و6444 ومسلم [272] 153 - (94) و [273] 154 - (94)
(2) البخاري "صحيح البخاري" ص1249 معلقاً على الرواية رقم 5827.