قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٠٨

واستدل أهل الحديث كذلك بقوله تعالى ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ التوبة: 106، والآية لا علاقة لها بأصحاب الكبائر من أهل النار، فنحن إذا رجعنا إلى السياق العام للآية سنجد أن ما ذهبوا إليه إنما أملته عليهم أفهامهم الملوثة بعقيدة الإرجاء، فالله تعالى يخبرنا عن أحوال الأعراب حول المدينة وأنهم على ثلاثة فرق، الفريق الأول هو فريق المنافقين: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ التوبة: 101، والفريق الثاني هم المؤمنون الذين تلبسوا ببعض المعاصي لكنهم سرعان ما أقرّوا بذنوبهم، وتابوا توبة نصوحاً، وهؤلاء سيغفر الله تعالى لهم: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ التوبة: 102 - 105.

أما الفريق الثالث فهم الذين ذكرتهم الآية التي استدل بها أهل الحديث ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ التوبة: 106، وهذا الفريق يشكله الذين خلطوا العمل الصالح بالعمل السيء، بيد أنهم لم يظهروا توبة نصوحاً متبوعة بالعمل الصالح كما هو الحال مع الفريق الثاني، فلم يخبرنا الله تعالى بمصيرهم، وأمرنا بالتوقف فيهم، وأخبرنا بأنه سوف يطلعنا على مصيرهم يوم القيامة، ليس جهلاً منه في مصيرهم حاشاه عز وجل وهو الذي يعلم ما كان وما سيكون، فلهذا قال تعالى {وَاللّهُ

٢٠٨ / ٢٦٦