قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢١يقول الذهبي: أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان قد أدمن النظر في كتب بني إسرائيل، واعتنى بذلك (1)، ويقول ابن كثير: أنه أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما (2).
أما أبو هريرة فقد قيل: إنه كان يحدث عن كعب الأحبار حتى قال عنه كعب: "ما رأيت أحداً لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة" (3)، ويقال إنه كان يكثر من الرواية عن كعب الأحبار إلى درجة أن الرواة كانوا يخلطون بين روايات كعب الأحبار وروايات الرسول (صلى الله عليه و سلم)، فقد قال بسر بن سعيد: "اتقوا الله، وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة، فيحدث عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) ويحدثنا عن كعب ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب، ويجعل حديث كعب عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) " (4).
وحين تبين خطر هؤلاء الكتابيين لبعض الصحابة توقفوا عن الأخذ منهم وبدأوا يحذرون الناس من شرهم، فعبدالله بن عباس الذي عرف عنه مجالسة أولئك الكتابيين ثار عليهم بعد ذلك وقال معاتباً غيره: "يا معشر المسملين، كيف تسألون أهل الكتاب؟ وكتابكم الذي أنزل على نبيه (صلى الله عليه و سلم) أحدث الأخبار بالله، تقرءونه لم يشب، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله وغيروا بأيديهم الكتاب فقالوا: ﴿هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً﴾ البقرة79، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مُسائلتهم؟ ولا والله ما رأينا رجلاً منهم قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم" (5).
لكن المشكلة حدثت في تبني بعض الفرق الإسلامية لفكر منحرف تشكل من امتزاج الموروث الديني القديم لأهل الملل السابقة، وصار يقدَّم على أنه الممثل الرسمي للإسلام، وما
(1) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج3ص81.
(2) ابن كثير في مقدمة تفسيره "تفسير القرآن العظيم" ج1 ص13
(3) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج2ص600.
(4) الذهبي "سير أعلام النبلاء" ج2ص606.
(5) البخاري2685.