قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٢٤

الفتن والملاحم الخرافة والأسطورة

نتيجة لسيادة فكر أهل الحديث الهرمسي في الأمة الإسلامية التي امتزج فكر الإسلام الصافي لدى بعض طوائفها برواسب موروثاتها الثقافية القديمة، ونتيجة لتبني السلطة لفكر الإرجاء انتشرت في الأمة أفكار وخرافات أسطورية تتحدث عن أحداث ستقع قبل يوم القيامة، وأن تلك الأحداث هي من علامات الساعة، كنزول المسيح، وظهور الدجال والمهدي وغيرها، هذه الأفكار التي انتقلت إلينا من أصحاب الملل والنحل الوثنية -كما سنأكده لاحقاً- أصابت كيان الأمة الإسلامية في مقتل، حيث قتلت فيها روح العمل والجهاد، فانقلب حال الأمة من العمل والجدّ والجهاد الإيحابي إلى حال الكسل والتواكل والإنتظار السلبي، كل ذلك اعتماداً على الروايات الأسطورية التي تزعم سيادة الكفر على الإيمان وانتصار الشر على الخير إلى آخر الزمان حيث ينزل المسيح ويظهر المهدي ليقاتلوا الدجال زعيم الشر.

هذه هي الحقيقة المرة التي أقرّ بها المحدث أبو غُدّة قائلاً "هناك فكرة شائعة لدى عدد من عوام المسلمين، وهي أنهم يتخذون من إخبار الرسول (صلى الله عليه و سلم) بهذه العلامات متكأً لهم في ترك العمل الجدّي إلى إعادة الحياة الإسلامية الصحيحة، وقد ربطوا بعلامات الساعة أمراً لا صلة له بها، وهو أن العمل الآن لا يجدي، لأنه لا بد أن يزداد الفساد، وينتشر الضلال، وتأتي الخوارق التي تتقدم الساعة، من ظهور المهدي ونزول عيسى (عليه السلام)، وحينئذ يعود الإسلام، وينتصر الدين، وينتشر الحق، ويقوى أهله، ويسود الحكم بالإسلام على وجهه، فلا جدوى الآن من مقاومة الباطل وأهله مهما حاول الإنسان المسلم.

وهذه الفكرة الضالة الخبيثة، وقد تكون دخيلة على المسلمين بمخارز أعدائهم الناعمة أسقطت السعي الجدّي الواجب، والوعي الإسلامي الصحيح عند هؤلاء الجاهلين ومن يدور في فلكهم من المسلمين الين، فقد أثرت فيهم تأثيراً سلبياً، وأحبطت منهم العمل الجدّي والسعي المتواصل لإعادة الحياة الإسلامية. وكثيراً ما خدع هؤلاء الجاهلون الأغرار من المسلمين أشباههم، بقولهم لهم: إن العالم قد اقترب من نهايته، وأن الأحاديث النبوية تدل على استمرار التدهور في شأن الإسلام والمسلمين، ولما كان الأمر هكذا، كان لا جدوى من

٢٢٤ / ٢٦٦