قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٢٧

الله ريحاً طيبة فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة" (1).

وإذا حاولنا قراءة هذه الرواية وفق المنهج السليم سنجدها مخالفة للكثير من ضوابط المنهج الإسلامي الصحيح المستوحى من النصوص المحكمة:

أولاً: مخالفتها لمنهج القرآن الكريم حيث تتحدث عن يوم القيامة وتصفه بدقة رقمية، وكأن النبي (صلى الله عليه و سلم) يعلم الفترة الزمنية التي ستكون فيها، بينما يخبرنا الله عز وجل في كتابه العزيز أن يوم القيامة سيأتي بغتة وأن النبي (صلى الله عليه و سلم) مثله مثل بقية البشر لا يعلم شيئاً عن الزمان الذي ستكون فيه، يقول تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ الأعراف: 187.

ثانياً: هذه الروايات تعطي أرقاماً محددة عن أوقات تلك الفتن وأزمانها، ومن أمثلة ذلك أن الرسول (صلى الله عليه و سلم) حين سأل كم سيلبث الدجال في الأرض. قال: "أربعون يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم". بينما نجد أن القرآن الكريم لا يتعامل بنفس تلك الصورة الرقمية مع الأحداث التي يتنبأ بها، فالله تعالى حين بشر بنصر الدين لم يذكر الفترة الزمنية التي سيتم خلالها هذا النصر ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ التوبة: 33، وحين ربطت البشارة القرآنية بالتحديد الزمني جاء النص القرآني مع دقة التعبير معبراً عن فترة زمنية مفتوحة، حيث يقول تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ*فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ*فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الروم: 2 - 4.

(1) مسلم [7373] 110 - (2937)، الترمذي 2245، ابن حبان 6533 (14/ 469)، مستدرك الحاكم 8508 (4/ 538).

٢٢٧ / ٢٦٦