قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٣تاريخ الرواية
السنة النبوية تشكل مصدر التشريع الثاني المكمل للقرآن الكريم، فهي بيان لما في الكتاب العزيز من شرائع وتعليمات يقول تعالى ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ النحل: 44، وقد اهتمت جميع طوائف الأمة وفرقها باتباع السنة والحفاظ عليها، بيد أنه ونتيجة لتفاوت المدارك العقلية لمنظري كل فريق، ونتيجة للدور الجبروتي الطاغي للسلطة الحاكمة اختلفت الأمة في تحديد مفهوم السنة وطريقة التعامل معها، فبعد أن كانت السنة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام تمثل المنهاج والطريقة العملية التي مارسها الرسول (صلى الله عليه و سلم) لشرائع الدين وشعائره، انحرف هذا المفهوم وتوسع وتمدد ليشمل كل ما أثر عن النبي (صلى الله عليه و سلم) من قول أو فعل أو تقرير، وهذا المفهوم للسنة يتجاهل العوامل الزمانية والمكانية للحظة النص الأصلية أي اللحظة التي قال فيها النبي (صلى الله عليه و سلم) ذلك القول وفعل ذلك الفعل وأقر ذلك التقرير، فهل كان هذا الفعل أو القول أو التقرير:
1. حكماً شرعياً ملزماً للأمة جمعاء كما هو الحال مع تبيين شرائع الدين وقوانينه التي جاءت مجملة في الكتاب العزيز والتي أمر الله عز وجل الأمة باتباعها كما في قوله عز وجل ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ الحشر: 7، مع التأكيد على أن ما أتانا به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الوحي ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ النجم: 4، والوحي يشمل القرآن الكريم "الذكر" والسنة "البيان" لما في القرآن.
2. أم كان اجتهاداً من النبي (صلى الله عليه و سلم) بمعزل عن الوحي لنازلة لها حيثياتها الزمانية والمكانية قد يصيب فيه الحق المطلق أو لا يصيب الحق الذي يليق بمقامه كما هو الحال في مسألة التعامل مع أسرى بدر التي أكدّها قوله تعالى {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآَخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللهِ