قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٤سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} الأنفال: 66 - 67، والتي يعلق عليها محمد رشيد رضا بقوله: "أن النبي نفسه قد يخطئ في اجتهاده، ولكن الله تعالى يبين له ذلك ولا يقره عليه كما صرح به العلماء، فهو معصوم من الخطأ في التبليغ عن الله تعالى لا في الرأي والاجتهاد. ومنه ما سبق من اجتهاده صلوات الله وسلامه عليه بمكة في الإعراض عن الأعمى الفقير الضعيف عبد الله بن أم مكتوم (رض) حين جاءه يسأله وهو يدعو كبراء أغنياء المشركين المتكبرين إلى الإسلام لئلا يعرضوا عن سماع دعوته، فعاتبه الله تعالى على ذلك بقوله ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءَهُ الأعْمَى﴾ عبس: 1" (1).
3. أم كان فعلاً يدخل في إطار الطبيعة البشرية للنبي (صلى الله عليه و سلم) ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ الكهف: 110، كما هو الحال مع ارتياده للأسواق ولبسه لباس أهل زمانه، وركوبه وسائل مواصلاتهم، واستخدامه آلاتهم الحرفية والحربية، واستعانته بأدويتهم واطبائهم.
ونتيجة لاتساع مفهوم السنة، الذي واكب التغيرات السياسية التي حدثت في الأمة حيث المذاهب الفقهية تتفاصل والفرق الكلامية تتجادل والقوى السياسية تتناحر، بدأ بعض المسلمين بشكل عفوي بتدوين السنة ليتم حفظها من العبث، لكن تأثير تلك الحروب السياسية والكلامية والفقهية ألقى بظلاله على عملية التدوين، حيث كانت كل فرقة تطلب النص الذي يؤيد موقفها ضد الآخر، فتضخمت بذلك نصوص السنة تضخماً رهيباً كان للسلطة فيه الدور الأكبر، وكان وراء عملية التضخيم هذه مجموعة من الرواة العوام الذين لم يتمرسوا الفقه ومبادئه قاموا بجمع الروايات وحشوها في مصنفات ضخمة فعرفوا بالحشوية (2)، ونتيجة لافراطهم في جمع وتخييش الروايات تعارف الناس على تسميتهم بـ "أهل الحديث"، ولما في هذا المصطلح من جاذبية في نفوس البسطاء والعوام استطاع هؤلاء
(1) محمد رشيد رضا "تفسير المنار" ج10ص81.
(2) قال الفراهيدي في "العين" ج1ص388: "الحشو من الناس: من لا يعتد به"اهـ