قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٤٠إذاً هذه الروايات تروج لفكرة مفادها أن عيسى (عليه السلام) سينزل بشرع جديد يلغي الجزية!، وكما هو معلوم أن الشريعة الإسلامية خالدة لا يمكن نسخ شيء منها ولا التلاعب به، لأن الرسول محمد (صلى الله عليه و سلم) هو خاتم الأنبياء والمرسلين: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ الأحزاب:40، وهذه الروايات تبين أن عيسى (عليه السلام) هو خاتم النبيين لأنه سيأتي آخر الزمان ويغير في شريعة الإسلام!.
وعقلاء الأمة رفضوا هذه الروايات، يقول الشيخ عبد الله السالمي: "أعلم أن نبينا عليه الصلاة والسلام لا نبي معه ولا بعده، فما رواه قومنا من نزول عيسى (عليه السلام) لم يصح عند أصحابنا رحمهم الله تعالى" (1). وقال الشيخ ناصر بن أبي نبهان: "وفي أخبار قومنا أن الله يبعث المهدي، ويخرج الدجال، وينزل عيسى من السماء، وكل هذا في نفسي بعيد من الصواب، ومعي أن الخضر هو ميت، وعيسى كذلك لقوله تعالى ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ". (2)
والآية التي استغلها كعب الأحبار وأهل الحديث من بعده لترسيخ فكرة بولس "الفرعوإغريقية" هي قوله تعالى ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ الزخرف: 61، وقالوا أن نزول المسيح هو أحد علامات الساعة!.
وهذا الفهم الهرمسي لهذه الآية المتشابهة المبتسرة من سياقها المسلوخة من تركيبها الكلّي أفرز لنا فكرة بولس الهرمسية في ثوب مُأسلم!، ولو وضعنا الآية في سياقها العام لأدركنا أن المقصود بها غير ما ذهب إليه هؤلاء، يقول تعالى قبل هذه الآية مخاطباً الرسول (صلى الله عليه و سلم) وقومه مؤكداً على أن النبي (صلى الله عليه و سلم) والوحي والقرآن هو العلامة والإشارة ليوم القيامة التي سيسأل عنها
(1) عبد الله بن حميد السالمي "معارج الأمال" ج1ص52.
(2) نقله الشيخ جميل بن خميس السعدي في "قاموس الشريعة" ج6ص140 - 141.