قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٤٢الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} النحل: 77. هذا هو تأويل الآية التي بنى عليها أهل الحديث تأويلاتهم الخرافية والأسطورية المصادمة للعقل والنقل.
المهدي والدجال:
من بين القضايا التي نضجت تحت لهيب سياط الأسر البابلي، هي قضية المهدي المنتظر الذي سيخلص بني إسرائيل من الظلم والقهر، والظاهر أن مخيلة كتاب لجنة التوراة في بابل استعادت نبوءة موسى (عليه السلام) ببعثة نبي آخر الزمان وهو نبينا محمد (صلى الله عليه و سلم)، وقامت بإحاطته بصفات خوارقية خرافية، ثم انتقلت هذه الفكرة عبر بولس إلى النصارى، ووصلت إلى المسلمين عبر كعب الأحبار ومسلمة أهل الكتاب.
جاء في سفر الرؤيا: "وإذا بحصان أبيض يسمى راكبه الصادق الأمين الذي يقضي ويحارب بالعدل" (1)، ومع أن هذا النص يشير صراحة إلى نبوة محمد (صلى الله عليه و سلم)، وأنه هو مخلص الأمة من ضلالات اليهود وفسادهم، إلا أن العقلية الخرافية لأهل الحديث انطلت عليها خدعة أهل الكتاب بأن هذه النبوة ليست لمحمد (صلى الله عليه و سلم)، وإنما للمهدي الذي سيأتي آخر الزمان! وليس بمستغرباً أن نجد نفس نص أهل الكتاب في رواية أهل الحديث التي تبشر بالمهدي المزعوم: "يملأ الارض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً" (2). وهل يعقل أن يكون هناك رجل أفضل من النبي محمد (صلى الله عليه و سلم) بحيث ينشر العدل والقسط في وقت قياسي في ربوع الكون الذي فشل النبي (صلى الله عليه و سلم) حسب هذه الروايات تحقيقه!.
حاول بولس الذي أغوى النصارى وأضلهم أن يمسخ كل فكرة تشير إلى نبوة محمد (صلى الله عليه و سلم)، فاختلقت مخيلته اليهودية الوثنية فكرة النبي الكذاب أو الدجال من تراث اليهود القديم حيث كانوا يقتلون الأنبياء ويتهمونهم بالكذب {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ
(1) الرؤيا 12/ 19.
(2) ابن حبان 6285 (15/ 237)، المستدرك 8364 (4/ 488).