قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٤٦عليه، وعالم الملائكة المقربين، الذين جعل الله لهم وراء سدرة المنتهى مجالاً آخر ينطلقون فيه، ومنهم جبريل (عليه السلام) " (1).
"ومن الملاحظ أن النبي (صلى الله عليه و سلم) في الرؤية الثانية توقف بصره عند هذا المنتهى، منتهى المصائر ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ النجم: 17، ولا يعني ذلك فقط عدم الغلط والاشتباه والتنبه الكامل الحسي للمعطي للنظر وهو جبريل، بل قد يعني كما ذكر ذلك المفسرون التحديق في الموضوع بقوّة كي لا يهرب البصر إلى اللامتناهي الذي من خلف، وفي الحقيقة ليس هناك خلفٌ ولا أمامٌ، ولا فوق ولا تحت، فهو ما وراء العالم والجود بصيغة الاستعارة" (2).
وأوّل من أشاع بين المسلمين أن سدرة المنتهى هي سدرة في السماء السابعة كعب الأحبار اليهودي!، فقد جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار، فقال له: حدثني عن قول الله ﴿سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ فقال كعب: "إنها سدرة في أصل العرش إليها ينتهي علم كل عالم ملك مقرب أو نبي مرسل ما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله، وقال: إنها سدرة على رؤوس حملة العرش، وإليها ينتهي علم الخلائق ثم ليس لأحد وراءها" (3).
وتأكيداً من أهل الحديث لتفسيرهم الهرمسي المستقى من كعب الأحبار رووا رواية من طريق أنس بن مالك، جاء فيها: "عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة رضي الله عنهما أن نبي الله (صلى الله عليه و سلم) حدثهم عن ليلة أسري. قال: "بينما أنا في الحطيم" -وربما قال: في الحجر- مضطجعا إذ أتاني آت" فقد قال وسمعته يقول: "فشق ما بين هذه إلى هذه"، فقلت للجارود وهو إلى جنبي ما يعني به؟ قال: من ثغرة نحره إلى شعرته. وسمعته يقول من قصه إلى شعرته. "فاستخرج قلبي ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيماناً، فغسل قلبي ثم حشي ثم أعيد ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض". فقال له الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟ قال أنس: نعم. "يضع خطوه ثم أقصى طرفه فحملت عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا،
(1) عبد الكريم الخطيب "التفسير القرآني للقرآن" المجلد السابع ص594 - 595.
(2) هشام جعيط "الوحي والقرآن والنبوة" ص52 - 53.
(3) تفسير الطبري ج27ص52.