قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٤٥

الْمُقَدَّسِ طُوًى} طه: 9 - 12. وكذلك الأمر بالنسبة لطالوت ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ البقرة: 247.

أما الرؤية الثانية فقد كانت أعظم من الأولى، إنها تشير فعلاً إلى ﴿نَزْلَةً﴾ أخرى بكل وضوح، وتظهرها بما لا يقلّ وضوحاً على أنها "نظرة بالبصر". يأكد ذلك قول عبد الله بن مسعود في تفسير قوله تعالى ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ أنه "رأى رفرفاً أخضر سدّ أفق السماء" (1).

على أنّ هذا حصل عند ﴿سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾، "والسدرة واحدة السدر، وهو شجر النبق، وهو من أشجار البادية دائم الخضرة كثير الفروع ممتد الظلال، واختيار شجرة السدر للدلالة على النهاية التي لا يتجاوزها مخلوق من العالم العلوي، لأن شجر السدر شجر صحراوي ينبت على حافة الصحراء بين البادية والحاضرة، فهو بهذا أمارة من أمارات البادية التي تكاد تماسّ الحياة الحضرية، وتقف على عتبتها، دون أن تتجاوزها إلى ما وراءها، إنها أقوى وأقدر نبت أصيل من نبات البادية، يستطيع أن يمتد فيصل إلى مشارف العالم الحضري، أما النخل فإنه وإن كان من نبت الصحراء إلا أنه لا ظل له يجتمع الناس تحته كما هو الشأن في شجر السدر، وأما العنب والرمان ونحوها فإنها من نبات الحضارة أصلاً، ثم استجلبت إلى البادية، وعلى هذا، فإن شجرة السدر هنا تشير –والله أعلم- إلى نقطة التقاء بين عالمين، عالم البشر الذي تتحرك فيه البشرية جميعها، والتي تستطيع بما يمدها الله سبحانه وتعالى من فضله أن تصعد في هذا العالم حتى تبلغ سدرة المنتهى، ممثلة به في خاتم النبيين محمد صلوات الله وسلامه

(1) البخاري 3233.

٢٤٥ / ٢٦٦