قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٥٣وأبرز ما نراه من دسّ اليهود هنا، هو ما يروى في حديث المعراج من اللقاء الذي كان بين النبي وبين موسى عليهما الصلاة والسلام وأن موسى سأل النبي صلوات الله وسلامه عليه عما افترض الله على أمته من الصلاة … هذه الرواية تشير إلى أمور منها: أولاً: ان تجعل موسى (عليه السلام) ما يشبه الوصاية على النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهذ من شأنه أن يجعل لليهود منزلة على المسلمين أشبه بهذة المنزلة … وثانياً: ما وجه الحكمة في أن يكون من تدبير الله سبحانه وتعالى أن تجيء فريضة الصلاة على هذا الأسلوب الذي يشبه المناقصات!، والذي يبدأ بخمسين صلاة ثم ينتهي بخمس صلوات؟ وما الحكمة في أن يغدو النبي الكريم، ويروح بين موسى وربه هذه الغدوات والروحات؟ ألا غدوة وروحة واحدة تكفي إن كان لابد من هذا؟ إن ذكاء واضع هذه الرواية قد أبى عليه إلا أن يجيب عن هذه التساؤلات، وأن يكشف عن وجه الحكمة في هذا، فيجعل في تمام الرواية: "أنها خمس في العمل وخمسون في الأجر"، وهذا الذي جعله واضع الرواية وجهاً داعياً إلى قبولها، هو في الواقع الوجه الذي يكشف عن ردها، إذ ليست الصلاة وحدها هي التي تختص بهذه المزية في اعتبار الصلاة بعشر صلوات، بل إن كل الأعمال الطيبة توزن عند الله سبحانه وتعالى بهذا الميزان، كما يقول سبحانه وتعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ الأنعام: 160 … إن الذي يطالع قصة الإسراء والمعراج على تلك الصورة أو الصور المجسدة التي تعرضعا كتب السيرة والتفسير، ليموت في نفسه كثير من تلك المشاعر الروحية، التي كان خليقاً أن يثيرها فيه حديث الإسراء والمعراج …
فالبراق مثلاً الذي يأخذ في حديث "الإسراء" لوناً بارزاً صارخاً -والذي يهيأ للرسول ليتخذ منه مطية إلى العالم العلوي- هذا البراق ليس إلا "أتاناً" ركب عليه جناحان من ريش، فصار أشبه بلعبة من لعب الأطفال التي يؤلفونها من حطام بعض لعبهم التي انتهى دورها معهم. ثم هذا الحجر الذي يشُدّ إليه الأنبياء دوابهم عند المسجد الأقصى، وتلك الحلقات المغروسة في هذا الحجر لتمسك المقاود واللّجم إنها جميعها لتمسك بالمعاني الكريمة العالية التي