قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث زكريا بن خليفة المحرمي

قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث لزكريا المحرمي-موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٥٢

ما هو أجل من ذلك بكثير، ولا يخفى بأن العروج إلى السماء في بعض ليلة أعجب في العقول من خروجه من مكة إلى بيت المقدس.

فلما ذكر إخراجه إلى بيت المقدس في ليلة على سبيل التعجب من ذلك والحث على الاستدلال به على قدرته وصحة نبوة نبيه؟ ولم يذكر من شأن المعراج ما ذكروه، دل على وهاء دعواهم، وفساد خبرهم، فأما ما يذكرونه من الخبر المروي في هذا الباب ففاسد من وجوه:

أحدها أنه من أخبار الآحاد (1) الذي لا اعتماد عليه في باب إيجاد العلم.

وثانيها: أنه ليس من الصحاح عند القوم.

وثالثها: أن فيه التشبيه وذكر الحجاب، ما لا يجوز على الله.

ورابعها: أنه يتضمن من إيجاب البدء عل الله تعالى لأنه بزعمهم على ما يروونه في هذا الخبر نسخ خميسن صلاة إلى خمس صلاة شيئاً بعد شيء، ونسخ الشيء قبل وقت فعله، وقبل وقت معرفة المكلف به بداء، والبداء على الله مستحيل" (2).

يقول عبد الكريم الخطيب: "الذي يقرأ القصص التي صورت فيها رحلة المعراج يجد فيها كثيراً من الدّس والكذب والتلفيق، ولليهود هنا، في هذه القصة، دور كبير في دسّ الأخبار، وتلفيق الأحاديث، حيث المجال فسيح يتسع لكل قول يقال في هذا العالم العلوي …

(1) ادعى البعض تواتر هذه الرواية إلا أن جميع طرقها لا تخلو من مقال، فقد جاءت من طريق أنس بن مالك، بيد أن من الملاحظ اضطراب طرقها بعد ذلك فمنهم من يرويها عن أنس عن أبيه مالك بن صعصعه (مسلم [416] 264 - (164).). وهي من طريق قتادة بن دعامة السدوسي وهو ضعيف مدلس. ومنهم من يرويها عن أنس عن أبي ذرّ، من طريق الزهري (البخاري برقم 349، ومسلم برقم [415] 263 - (163))، والزهري مدلس، وقد عدّه ابن حجر في "طبقات المدلسين" ج1ص45 من الطبقة الثالثة من المدلسين، وبعضهم يرويها عن أنس عن النبي (صلى الله عليه و سلم) دون واسطة (البخاري برقم 7517، مسلم برقم [411] 259 - (162)). وهي عند البخاري من طريق شريك بن عبد الله وهو ضعيف (الذهبي "المغني في الضعفاء" ج1ص468.)، وعند مسلم من طريق حماد بن سلمة المجسم صاحب الروايات المنكرة (الذهبي "المغني في الضعفاء" ج1ص286). ورويت من طريق أبي سعيد الخدري، وعبدالله بن مسعود، وأبي هريرة إلا أن ابن كثير ذكر في تفسيره ج3ص24 أن فيها غرابة ونكارة، وقد حاول ابن كثير تكثير طرق الرواية فأضاف روايات عن عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله وغيرهم إلا أن رواياتهم لم يذكر فيها قصة المعراج العجيبة!.

(2) نقله عنه جميل بن خميس السعدي في "قاموس الشريعة" ج6ص356 - 357.

٢٥٢ / ٢٦٦